الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


6 - الحديث السادس : عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا } ولمسلم { أولاهن بالتراب } وله في حديث عبد الله بن مغفل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال : { إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا وعفروه الثامنة بالتراب } .

التالي السابق


فيه مسائل .

الأولى : الأمر بالغسل ظاهر في تنجيس الإناء . وأقوى من هذا الحديث في الدلالة على ذلك : الرواية الصحيحة .

وهي قوله صلى الله عليه وسلم { طهور إناء أحدكم ، إذا ولغ فيه الكلب : أن يغسل سبعا } فإن لفظة " طهور " تستعمل إما عن الحدث ، أو عن الخبث .

ولا حدث على الإناء بالضرورة .

فتعين الخبث .

وحمل مالك هذا الأمر على التعبد ، لاعتقاده طهارة الماء والإناء .

وربما رجحه أصحابه [ ص: 77 ] بذكر هذا العدد المخصوص ، وهو السبع ; لأنه لو كان للنجاسة : لاكتفى بما دون السبع فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة .

وقد اكتفى فيها بما دون السبع .

والحمل على التنجيس أولى .

; لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدا ، أو معقول المعنى ، كان حمله على كونه معقول المعنى أولى .

لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى .

وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة ، فممنوع عند القائل بنجاسته ، نعم ليس بأقذر من العذرة ، ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار .

وأيضا فإذا كان أصل المعنى معقولا قلنا به .

وإذا وقع في التفاصيل ما لم يعقل معناه في التفصيل ، لم ينقص لأجله التأصيل .

ولذلك نظائر في الشريعة ، فلو لم تظهر زيادة التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر في التعبد على العدد ، ونمشي في أصل المعنى على معقولية المعنى .



المسألة الثانية : إذا ظهر أن الأمر بالغسل للنجاسة : فقد استدل بذلك على نجاسة عين الكلب .

ولهم في ذلك طريقان .

أحدهما : أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه ، فإنه جزء من فمه ، وفمه أشرف ما فيه .

فبقية بدنه أولى .

الثاني : إذا كان لعابه نجسا - وهو عرق فمه - ففمه نجس .

والعرق جزء متحلب من البدن . فجميع عرقه نجس .

فجميع بدنه نجس ، لما ذكرناه من أن العرق جزء من البدن . [ ص: 78 ]

فتبين بهذا : أن الحديث إنما دل على النجاسة فيما يتعلق بالفم ، وأن نجاسة بقية البدن بطريق الاستنباط .

وفيه بحث .

وهو أن يقال : إن الحديث إنما دل على نجاسة الإناء الولوغ .

وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللعاب وعين الفم ، أو تنجسهما باستعمال النجاسة غالبا .

والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين .

فلا يدل الحديث على نجاسة عين الفم ، أو عين اللعاب .

فلا تستقيم الدلالة على نجاسة عين الكلب كله .

وقد يعترض على هذا بأن يقال : لو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب - كما أشرتم إليه - لزم أحد أمرين .

وهو إما وقوع التخصيص في العموم ، أو ثبوت الحكم بدون علته لأنا إذا فرضنا تطهير فم الكلب بماء كثير ، أو بأي وجه كان ، فولغ في الإناء : فإما أن يثبت وجوب غسله أو لا .

فإن لم يثبت وجب تخصيص العموم .

وإن ثبت لزم ثبوت الحكم بدون علته .

وكلاهما على خلاف الأصل .

والذي يمكن أن يجاب به عن هذا السؤال ، أن يقال : الحكم منوط بالغالب وما ذكرتموه من الصور نادر ، لا يلتفت إليه .

وهذا البحث إذا انتهى إلى هنا يقوي قول من يرى أن الغسل لأجل قذارة الكلب .



المسألة الثالثة : الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات .

وهو حجة على أبي حنيفة ، في قوله : يغسل ثلاثا .



المسألة الرابعة : في رواية ابن سيرين زيادة " التراب " وقال بها الشافعي وأصحاب الحديث .

وليست في رواية مالك هذه الزيادة : فلم يقل بها .

والزيادة من الثقة مقبولة .

وقال بها غيره .



المسألة الخامسة : اختلفت الروايات في غسلة التتريب ، ففي بعضها " أولاهن " وفي بعضها " أخراهن " وفي بعضها " إحداهن " والمقصود عند الشافعي وأصحابه : حصول التتريب في مرة من المرات ، وقد يرجح كونه في الأولى : بأنه إذا ترب أولا ، فعلى تقدير أن يلحق بعض المواضع الطاهرة رشاش [ ص: 79 ] بعض الغسلات لا يحتاج إلى تتريبه ، وإذا أخرت غسلة التتريب ، فلحق رشاش ما قبلها بعض المواضع الطاهرة : احتيج إلى تتريبه ، فكانت الأولى أرفق بالمكلف .

فكانت أولى .



المسألة السادسة : الرواية التي فيها { وعفروه الثامنة بالتراب } تقتضي زيادة مرة ثامنة ظاهرا ، وبه قال الحسن البصري ، وقيل : لم يقل به غيره ، ولعله المراد بذلك من المتقدمين .

والحديث قوي فيه ، ومن لم يقل به : احتاج إلى تأويله بوجه فيه استكراه .



المسألة السابعة : قوله صلى الله عليه وسلم { فاغسلوه سبعا ، أولاهن ، أو أخراهن بالتراب } قد يدل لما قاله بعض أصحاب الشافعي : إنه لا يكتفي بذر التراب على المحل ، بل لا بد أن يجعله في الماء ، ويوصله إلى المحل .

ووجه الاستدلال : أنه جعل مرة التتريب داخلة في قسم مسمى الغسلات ، وذر التراب على المحل لا يسمى غسلا ، وهذا ممكن .

وفيه احتمال ; لأنه إذا ذر التراب على المحل ، وأتبعه بالماء يصح أن يقال : غسل بالتراب ، ولا بد من مثل هذا في أمره صلى الله عليه وسلم في غسل الميت بماء وسدر ، عند من يرى أن الماء المتغير بالطاهر غير طهور ، إن جرى على ظاهر الحديث في الاكتفاء بغسلة واحدة ; لأنها تحصل مسمى الغسل [ وهذا جيد ] .

إلا أن قوله " وعفروه " قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذر التراب على [ ص: 80 ] المحل ، فإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرا لغة ، فقد ثبت ما قالوه ، ولكن لفظة " التعفير " حينئذ تنطلق على ذر التراب على المحل ، وعلى إيصاله بالماء إليه ، والحديث الذي دل على اعتبار مسمى الغسلة ، إذ دل على خلطه بالماء وإيصاله إلى المحل به .

فذلك أمر زائد على مطلق التعفير ، على التقدير الذي ذكرناه من شمول اسم " التعفير " للصورتين معا ، أعني ذر التراب وإيصاله بالماء .



المسألة الثامنة : الحديث عام في جميع الكلاب .

وفي مذهب مالك : قول بتخصيصه بالمنهي عن اتخاذه .

والأقرب : العموم .

; لأن الألف واللام إذا لم يقم دليل على صرفها إلى المعهود المعين ، فالظاهر كونها للعموم ، ومن يرى الخصوص قد يأخذه من قرينة تصرف العموم عن ظاهره فإنهم نهوا عن اتخاذ الكلاب إلا لوجوه مخصوصة .

والأمر بالغسل مع المخالطة عقوبة يناسبها الاختصاص بمن ارتكب النهي في اتخاذ ما منع من اتخاذه .

وأما من اتخذ ما أبيح له اتخاذه ، فإيجاب الغسل عليه مع المخالطة عسر وحرج ، ولا يناسبه الإذن والإباحة في الاتخاذ .

وهذا يتوقف على أن تكون هذه القرينة موجودة عند النهي .



المسألة التاسعة : الإناء عام بالنسبة إلى كل إناء .

والأمر بغسله للنجاسة .

إذا ثبت ذلك يقتضي تنجيس ما فيه ، فيقتضي المنع من استعماله .

وفي مذهب مالك : قول : إن ذلك يختص بالماء ، وأن الطعام الذي ولغ فيه الكلب لا يراق ولا يجتنب .

وقد ورد الأمر بالإراقة مطلقا في بعض الروايات الصحيحة .



المسألة العاشرة : ظاهر الأمر الوجوب .

وفي مذهب مالك قول : إنه للندب وكأنه لما اعتقد طهارة الكلب - بالدليل الذي دله على ذلك - جعل ذلك [ ص: 81 ] قرينة صارفة للأمر عن ظاهره .

من الوجوب إلى الندب .

والأمر قد يصرف عن ظاهره بالدليل .



المسألة الحادية عشرة : قوله " بالتراب " يقتضي تعينه .

وفي مذهب الشافعي قول - أو وجه - إن الصابون والأشنان والغسلة الثامنة ، تقوم مقام التراب ، بناء على أن المقصود بالتراب : زيادة التنظيف ، وأن الصابون والأشنان يقومان مقامه في ذلك .

وهذا عندنا ضعيف .

; لأن النص إذا ورد بشيء معين ، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص ، واطراح خصوص المعين فيه .

والأمر بالتراب - وإن كان محتملا لما ذكروه ، وهو زيادة التنظيف - فلا نجزم بتعيين ذلك المعنى .

فإنه يزاحمه معنى آخر ، وهو الجمع بين مطهرين ، أعني الماء والتراب ، وهذا المعنى مفقود في الصابون والأشنان .

وأيضا ، فإن هذه المعاني المستنبطة إذا لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة ، فليست بذلك الأمر القوي .

فإذا وقعت فيها الاحتمالات ، فالصواب اتباع النص .

وأيضا ، فإن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال أو تخصيص : مردود عند جمع من الأصوليين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث