الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          صفحة جزء
          الفصل الحادي عشر : عقله - صلى الله عليه وسلم -

          أما أصل فروعها ، وعنصر ينابيعها ، ونقطة دائرتها فالعقل الذي منه ينبعث العلم ، والمعرفة ، ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي ، وجودة الفطنة ، والإصابة ، وصدق الظن ، والنظر للعواقب ، ومصالح [ ص: 176 ] النفس ، ومجاهدة الشهوة ، وحسن السياسة والتدبير ، واقتناء الفضائل ، وتجنب الرذائل . وقد أشرنا إلى مكانه منه - صلى الله عليه وسلم - وبلوغه منه ، ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه ، وإذ جلالة محله من ذلك ، ومما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجاري أحواله ، واطراد سيره ، وطالع جوامع كلامه . وحسن شمائله ، وبدائع سيره ، وحكم حديثه ، وعلمه بما في التوراة ، والإنجيل ، والكتب المنزلة ، وحكم الحكماء ، وسير الأمم الخالية ، وأيامها ، وضرب الأمثال ، وسياسات الأنام ، وتقرير الشرائع ، وتأصيل الآداب النفسية ، والشيم الحميدة إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه - صلى الله عليه وسلم - فيها قدوة ، وإشاراته حجة ، كالعبارة ، والطب ، والحساب ، والفرائض ، والنسب ، وغير ذلك مما سنبينه في معجزاته إن شاء الله تعالى ، دون تعليم ، ولا مدارسة ، ولا مطالعة كتب من تقدم ، ولا الجلوس إلى علمائهم ، بل نبي أمي لم يعرف بشيء من ذلك ، حتى شرح الله صدره ، وأبان أمره ، وعلمه ، وأقرأه ، يعلم ذلك بالمطالعة ، والبحث عن حاله ضرورة ، وبالبرهان القاطع على نبوته نظرا ، فلا نطول بسرد الأقاصيص ، وآحاد القضايا ، إذ مجموعها ما لا يأخذه حصر ، ولا يحيط به حفظ جامع ، وبحسب عقله كانت معارفه - صلى الله عليه وسلم - إلى سائر ما علمه الله - تعالى - ، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان ، وعجائب قدرته ، وعظيم ملكوته ، قال الله - تعالى - وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [ النساء : 113 ] حارت العقول في تقدير فضله عليه ، وخرست الألسن دون وصف يحيط بذلك أو ينتهي إليه .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية