الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( والأمة إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا أعتقت كالحرة في حق الولد ) لأنهما حرتان أوان ثبوت الحق ( وليس لهما قبل العتق حق في الولد لعجزهما ) عن الحضانة بالاشتغال بخدمة المولى ( والذمية أحق بولدها المسلم ما لم يعقل الأديان أو يخف أن يألف الكفر ) [ ص: 373 ] للنظر قبل ذلك واحتمال الضرر بعده ( ولا خيار للغلام والجارية ) وقال الشافعي : لهما الخيار لأن النبي عليه الصلاة والسلام خير . ولنا أنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب فلا يتحقق النظر ، وقد صح أن الصحابة لم يخيروا ، أما الحديث فقلنا قد قال عليه الصلاة والسلام { اللهم اهده } فوفق لاختياره الأنظر بدعائه عليه الصلاة والسلام ، أو يحمل على ما إذا كان بالغا .

التالي السابق


( قوله والأمة إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا أعتقت كالحرة في حق الولد ) وحال الحرة فيه أنه إن كان الولد رقيقا كان مولاه أحق به منها ، وإن كان حرا كانت أحق به من الزوج بعد الطلاق ، ومن مولاه إن كان له مولى أعتقه ، ومن مولاها إن كان ابنها منه قبل عتقها ، ولو فارقها زوجها وهي أمة فالولد لمولاها وهو أولى به من الأب لأنه مملوكه ، وكذا إذا كان الزوج حرا ولم يفارق أمه فالمولى أحق بالولد لكن لا يفرق بينه وبين أمه للنهي عن ذلك ، ذكره في الكافي . وفي التحفة : المكاتبة إن ولدت قبل الكتابة لا حق لها ، وإن ولدت بعده فهي أولى به لدخوله تحت الكتابة .

( قوله ويخاف ) بالرفع استئنافا . وفي بعض النسخ : أو يخف [ ص: 373 ] بالجزم عطفا على يعقل ، وتمنع أن تغذيه الخمر أو لحم الخنزير ، وإن خيف ضم إلى ناس من المسلمين . ويروى بالنصب أيضا على معنى إلى أن يخاف مثله في قوله لألزمنك أو تقضيني حقي ، ولكن هذا في أو لا الواو . وقال الشافعي وأحمد ورواية عن مالك لا حضانة لها ، والمشهور عن مالك كقولنا وهو قول ابن القاسم وأبي ثور . وقوله للنظر قبل ذلك دافع لقولهم . وحاصله أن الأنظر للصغير أن يكون عند الأم لوفور شفقتها وزيادة قدرتها على التبتل بملاحظته ومصالحه وما فيه من احتمال الضرر الديني يرتفع بما ذكرنا .

( قوله ولا خيار للغلام ) يعني إذا بلغ السن الذي يكون الأب أحق به كسبع مثلا أخذه الأب ولا يتوقف على اختيار الغلام ذلك . وعند الشافعي يخير الغلام في سبع أو ثمان . وعند أحمد وإسحاق يخير في سبع ، فإذا اختار أحدهما وسلم إليه ثم اختار الآخر فله ذلك ، فإن عاد واختار الأول أعيد إليه هكذا أبدا . قال في المغني : وهذا لم يقل به أحد من السلف ، والمعتوه لا يخير ويكون عند الأم .

( قوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير ) أخرج الأربعة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم { خير غلاما بين أبيه وأمه } . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

ولأبي داود والنسائي فيه قصة لأبي هريرة قبل أن يروى الحديث حاصلها أنه خير غلاما في واقعة رفعت إليه ثم روي الحديث ، ولفظه { سمعت امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت : يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استهما عليه ، فقال زوجها : من يحاقني في ولدي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت ، فأخذ بيد أمه فانطلقت به } واستدل المصنف بالمعنى على عدم التخيير وهو ظاهر .

وأجاب عن الحديث بوجهين : أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم دعا أن يوفق لاختيار الأنظر على ما رواه أبو داود في الطلاق والنسائي في الفرائض [ ص: 374 ] عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان { أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم ، فجاءا بابن لهما صغير لم يبلغ فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب هنا والأم هنا ثم خيره وقال : اللهم اهده ، فذهب إلى أبيه } وفي لفظ آخر { أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم ، وقال رافع ابنتي ، فأقعد النبي صلى الله عليه وسلم الأم ناحية والأب ناحية وأقعد الصبية ناحية وقال لهما ادعواها ، فمالت الصبية إلى أمها ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها } وأخرجه الدارقطني من طريق أبي عاصم النبيل عن عبد الحميد وسمى البنت عميرة .

وأخرج ابن ماجه والنسائي في سننه عن إسماعيل بن إبراهيم بن علية رضي الله عنه : حدثنا عثمان البتي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده أبي سلمة { أن أبوين اختصما في ولد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما كافر ، فخيره النبي صلى الله عليه وسلم فتوجه إلى الكافر ، فقال : اللهم اهده ، فتوجه إلى المسلم فقضى له به } قال ابن القطان بعد ذكر الروايتين : اختلف في أنه غلام أو جارية ولعلهما قضيتان . قال : وقد روي من طريق عثمان البتي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده أن أبويه اختصما فيه .

رواه ابن أبي شيبة ورواه غيره ، وقال : فيه عبد الحميد عن يزيد بن سلمة ، ولا يصح ذلك لأن عبد الحميد بن سلمة وأباه وجده لا يعرفون ، ولو صحت لا ينبغي أن يجعل خلافا لرواية أصحاب عبد الحميد بن جعفر عن عبد الحميد بن جعفر فإنهم ثقات ، وهو وأبوه ثقتان وجده رافع بن سنان معروف ، وأفاد أن المراد بقوله عن أبيه عن جده جد أبيه ، قال : فإنه عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن سنان ، ونحن نقول : إنه إذا اختار من اختاره الشرع دفع له ، لكن الوقوف على ذلك متعذر بتخيير غيره صلى الله عليه وسلم مع دعائه فيجب بعده صلى الله عليه وسلم اعتبار مظنة الأنظرية وهو فيما قلنا .

ثانيهما : أنه كان بالغا بدليل الاستقاء من بئر أبي عنبة ومن دون البلوغ لا يرسل إلى الآبار للاستقاء للخوف عليه من السقوط فيه لقلة عقله وعجزه عنه غالبا ، ونحن نقول : إذا بلغ فهو مخير بين أن ينفرد بالسكنى وبين أن يكون عند أيهما أراد ، اللهم إلا أن يبلغ سفيها مفسدا فحينئذ يضمه إلى نفسه اعتبارا لنفسه بماله ، ولا نفقة له على الأب إلا أن يتطوع .

أما الجارية فإن بلغت بكرا ضمها إلى نفسه ، وإن بلغت ثيبا فلها أن تنفرد بالسكنى إلا أن تكون غير مأمونة على نفسها لا يوثق بها فللأب أن يضمها إليه ، وكذا الأخ ، وللعم الضم إذا لم يكن مفسدا ، وإن كان فحينئذ يضعها القاضي عند امرأة ثقة ، ولهذا صح أن الصحابة رضي الله عنهم لم يخيروا على ما تقدم من قصة عمر مع أبي بكر ، وما أسند عبد الرزاق عن عمر أنه خير ابنا بين أبيه وأمه فاختار أمه فانطلقت به محمول على أنه عرف ميل الابن إلى أمه وهي في الواقع أحق بحضانته فأحب تطييب قلب الأب من غير مخالفة للشرع فخيره ، يدل عليه ما تقدم أنه لم يراجع أبا بكر الكلام . والجواب أن عدم المراجعة ليس دليلا لأن أبا بكر كان إماما يجب نفاذ ما يحكم به من رأيه وإن خالف رأي المحكوم عليه ، فالوجه ما ذكرنا ليوافق المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قدمناه أول الباب .




الخدمات العلمية