الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1431 1432 1433 1434 1435 ص: فليس في هذه الآثار أنه كان يقول ذلك وهو إمام، ولا فيها ما يدل على شيء من ذاك، غير أنه قد ثبت بها أن من صلى وحده يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.

                                                فأردنا أن ننظر هل روي عن النبي - عليه السلام - ما يدل على حكم الإمام في ذلك كيف هو؟ وهل يقول في ذلك ما يقول من يصلي وحده أم لا؟

                                                فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، عن أبي هريرة أنهما سمعاه يقول: "كان [ ص: 303 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد ... " ثم ذكر الحديث.

                                                فقد يجوز أن يكون قال ذلك لأنه من القنوت، ثم تركه بعد لما ترك القنوت، فرجعنا إلى غير هذا الحديث هل فيه دلالة على شيء مما ذكرنا؟

                                                فإذا ربيع المؤذن قد حدثنا قال: ثنا أسد ، قال: ثنا ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة أنه قال: " أنا أشبهكم صلاة برسول الله - عليه السلام -; كان إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: ربنا لك الحمد".

                                                حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كسفت الشمس في حياة رسول الله - عليه السلام -، فصلى بالناس، فلما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير ، قال: ثنا مالك بن أنس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه: " ، أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا قام من الركوع قال ذلك".

                                                ففي هذه الآثار ما يدل على أن الإمام يقول من ذلك مثل ما يقول من صلى وحده; لأن في حديث عائشة - رضي الله عنها – أن رسول الله - عليه السلام - قال ذلك وهو يصلي بالناس، وفي حديث أبي هريرة: " أنا أشبهكم صلاة برسول الله - عليه السلام - .... " ثم ذكر ذلك، فأخبر أن ما فعل من ذلك هو ما كان رسول الله - عليه السلام - يفعله في صلاته لا يفعل غيره.

                                                وفي حديث ابن عمر ما ذكرنا عنه من ذلك، وهو أيضا إخبار عن صفة صلاته كيف كانت فلما ثبت عنه أنه كان يقول -وهو إمام- إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثبت أن هكذا ينبغي للإمام أن يفعل ذلك، اتباعا لما قد ثبت عن رسول الله - عليه السلام - في ذلك، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.

                                                [ ص: 304 ] وأما من طريق النظر فإنهم قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك.

                                                فأردنا أن ننظر في الإمام هل حكمه في ذلك حكم من يصلي وحده أم لا؟

                                                فوجدنا الإمام يفعل في كل صلاته من التكبير والقراءة والقيام والقعود والتشهد ، مثل ما يفعل من يصلي وحده، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه في صلاته كأحكام من يصلي وحده فيما يطرأ عليه في صلاته في الأشياء التي توجب فسادها وما يوجب سجود السهو فيها وغير ذلك; فكان الإمام ومن يصلي وحده في ذلك سواء بخلاف المأموم، فلما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قول سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد. . ثبت أيضا أن الإمام يقولها بعد قوله: سمع الله لمن حمده.

                                                فهذا هو وجه النظر أيضا في هذا الباب، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي يوسف 5 ومحمد، وأما أبو حنيفة فكان يذهب في ذلك إلى القول الأول والله أعلم.

                                                التالي السابق


                                                ش: قد ذكرنا أن الاستدلال بهذه الأحاديث المذكورة لا يتم; لأنه ليس فيها أنه - عليه السلام - كان يقول ذلك -أي: ربنا لك الحمد- مع قوله: سمع الله لمن حمده. والحال أنه إمام، ولا فيها ما يدل على شيء من ذلك، أي من الجمع بين التسميع والتحميد، غير أن هذه الآثار تبين أن من صلى وحده منفردا يجمع بينهما، فإذا كان كذلك يجب الرجوع إلى حديث يتم به الاستدلال، فنظرنا في ذلك فوجدنا أحاديث أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - تدل على أن الإمام يقول من ذلك -أي من الجمع بين التحميد والتسميع- مثل ما يقول المنفرد، وهو معنى قوله: "ففي هذه الآثار ما يدل على أن الإمام يقول من ذلك ... " إلى آخره. وذلك أن في حديث عائشة يصرح بأن رسول الله - عليه السلام - قال ذلك وهو يصلي بالناس، وفي حديث ابن عمر كذلك، وفي حديث أبي هريرة أخبر أن ما كان يفعله من الجمع بين التحميد والتسميع هو ما كان يفعله رسول الله - عليه السلام -، فثبت بهذا أن ما يفعله الإمام كذلك; اتباعا لما ثبت في الأحاديث المذكورة، وهو معنى قوله: "ثبت أن هكذا ينبغي للإمام" و"أن" هذه مخففة من المثقلة، وهي في محل الرفع على أنه فاعل "ثبت".

                                                [ ص: 305 ] قوله: "فهذا حكم هذا الباب" أي هذا الذي ذكرنا حكم هذا الباب من طريق الأحاديث، "وأما من طريق النظر" والقياس "فإنهم قد أجمعوا ... " إلى آخره. وهو ظاهر، ولكن في قوله: "قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك" بحث; فإن صاحب "المغني" نقل عن أحمد: أنه لا يجمع المنفرد بين التحميد والتسميع.

                                                قال: فإنه قال في رواية إسحاق في الرجل يصلي وحده، فإذا قال: سمع الله لمن حمده. قال: ربنا ولك الحمد.

                                                فقال: إنما هذا للإمام جمعهما وليس هذا لأحد سوى الإمام.

                                                ووجهه أن الخبر لم يرد به في حقه، فلم يشرع له كقول سمع الله لمن حمده في حق المأموم

                                                قوله: "وأما أبو حنيفة فكان يذهب" وفي بعض النسخ: "وأما أبو حنيفة ومالك فكانا يذهبان في ذلك إلى القول الأول" والله أعلم.

                                                ثم إنه أخرج عن أبي هريرة حديثين صحيحين:

                                                أحدهما: لا يتم به الاستدلال أيضا على ما نقوله عن قريب، وهو الذي أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه مسلم بهذا الإسناد بعينه: عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم يقول وهو قائم: [ ص: 306 ] اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله".

                                                ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون

                                                وأخرجه البخاري بأطول منه: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب ، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده. ثم يقول: ربنا ولك الحمد. قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر. حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله - عليه السلام - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا".

                                                قالا: وقال أبو هريرة: "وكان رسول الله - عليه السلام - حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف. وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له".

                                                [ ص: 307 ] وأما بيان عدم تمام الاستدلال به فهو قوله: "فقد يجوز أن يكون قال ذلك لأنه من القنوت ثم تركه بعد" أي: ثم ترك الجمع بين التسميع والتحميد بعد ذلك لما ترك القنوت، فحينئذ لا يتم به الاستدلال لأجل هذا الاحتمال.

                                                والذي يتم به الاستدلال هو الحديث الثاني لأبي هريرة، وهو الذي خرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن المصري صاحب الشافعي ، عن أسد بن موسى أسد السنة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن المغيرة بن أبي ذئب المدني ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا آدم، قال: ثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال: "كان النبي - عليه السلام - إذا قال: سمع الله لمن حمده. قال: اللهم ربنا ولك الحمد ... " الحديث.

                                                فهذا صريح على أنه - عليه السلام - كان يجمع بين التسميع والتحميد، لا لعلة قنوت ولا لغيره.

                                                ولقائل أن يقول: يمكن أن يكون هذا من النبي - عليه السلام - وهو منفرد، على أن أبا حنيفة قد حمله على حالة الانفراد.

                                                قلت: يمكن أن يقال: محاكاة أبي هريرة هي الصلاة المطلقة، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهو الصلاة مع الجماعة.

                                                وأما حديث عائشة فأخرجه أيضا بإسناد صحيح على شرط مسلم جميع رجاله، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة.

                                                وأخرجه مسلم : عن حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس. وحدثني أبو الطاهر ومحمد بن سلمة المرادي، قالا: ثنا ابن وهب ، عن [ ص: 308 ] يونس ، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي - عليه السلام - قالت: "خسفت الشمس في حياة رسول الله - عليه السلام -، فخرج رسول الله - عليه السلام - إلى المسجد، فقام وكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله - عليه السلام - قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ... " الحديث.

                                                وأخرجه أبو داود وقال: نا ابن السرح، نا ابن وهب .

                                                ونا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب ... إلى آخره نحو رواية مسلم .

                                                وأخرجه بقية الجماعة على ما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى .

                                                وهذا أيضا فيه الجمع بين التحميد والتسميع، ولكن لأبي حنيفة أن يقول هذا أيضا يجوز أن يكون كالقنوت، فعله ثم تركه.

                                                وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أيضا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن إبراهيم بن أبي الوزير -وهو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي- أبي إسحاق ابن أبي الوزير .

                                                عن مالك بن أنس ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن أبيه عبد الله: "أن رسول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره.

                                                وأخرجه مالك في "موطئه" ولفظه: "إن رسول الله - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، فإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود".

                                                وأما معنى الأحاديث:

                                                [ ص: 309 ] فقوله: "اللهم أنج الوليد بن الوليد" وفي رواية أبي داود "نج" والوليد هو أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافرا ففدي بأربعة آلاف درهم ولما افتدي أسلم فحبسوه بمكة فكان رسول الله - عليه السلام - يدعو له.

                                                وسلمة بن هشام هو أخو أبي جهل بن هشام، وكان من خيار الصحابة - رضي الله عنهم -، واحتبس بمكة وعذب في الله، وكان رسول الله - عليه السلام - يدعو له.

                                                وعياش بن أبي ربيعة -واسم أبي ربيعة عمرو- بن المغيرة وهو أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة، كان إسلامه قديما قبل أن يدخل رسول الله - عليه السلام - دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وولد بها ابنه عبد الله، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، ولما هاجر إلى المدينة قدم عليه أخواه لأمه: أبو جهل ، والحارث، ابنا هشام، فذكرا له أن أمه قد حلفت أن لا تدخل رأسها دهنا ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه وحبساه بمكة، وكان رسول الله - عليه السلام - يدعو له، وقتل عياش يوم اليرموك. وقيل: مات بمكة. قاله الطبري .

                                                قوله: "وطأتك" الوطأة -بفتح الواو وسكون الطاء بعدها همزة- هي: البأس، والمعنى ها هنا: الإيقاع بهم والعقوبة لهم، وتكون الوطأة بالقدم وبالقوائم وبالخيل.

                                                قوله: "كسني يوسف" أصله سنين، سقطت النون للإضافة، ومعنى سني يوسف: الجدب والقحط، وهي السبع الشداد التي أصابتهم.

                                                و"لحيان": أبو قبيلة، وهو لحيان بن هذيل بن مدركة، ذكره الجوهري في باب لحا، فيدل هذا أن النون فيه زائدة.

                                                و"رعل": و"رعلة" جميعا قبيلة باليمن، وقيل: هم من سليم، قاله ابن سيده، وفي الصحاح: رعل -بالكسر- وذكوان قبيلتان من سليم.

                                                [ ص: 310 ] وقال ابن دريد: رعل من الرعلة، وهي النخلة الطويلة، والجمع رعال. وهو رد لما قاله ابن التين: ضبط بفتح الراء، والمعروف أنه بكسرها، وهو في ضبط أهل اللغة بفتحها.

                                                وقال الرشاطي: هو رعل بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر .

                                                وقال ابن دحية في "المولد": ولا أعلم في رعل وعصية صاحبا له رواية صحيحة عن النبي - عليه السلام -.

                                                و"عصية" هو ابن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، ذكره أبو علي الهجري في "نوادره" والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية