الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين .

قال سليمان هذه المقالة في مجمع عظيم ; لأن لهجة هذا الكلام لهجة خطبته في مجمع من الناس الحاضرين مجلسه من الخاصة والسامعين من العامة . فهذه الجملة متضمنة شكر الله تعالى ما منحه من علم وملك ، وليقدر الناس قدره ويعلموا واجب طاعته إذ كان الله قد اصطفاه لذلك ، وأطلعه على نوايا أنفر الحيوان وأبعده عن إلف الإنسان وهو الطير ، فما ظنك بمعرفة نوايا الناس من رعيته وجنده فإن تخطيط رسوم الملك وواجباته من المقاصد لصلاح المملكة بالتفاف الناس حول ملكهم وصفاء النيات نحوه ، وبمقدار ما يحصل ذلك من جانبهم يكون التعاون على الخير وتنزل السكينة الربانية ، فلما حصل من جانب سليمان الاعتراف بهذا الفضل لله تعالى فقد أدى واجبه نحو أمته فلم يبق إلا أن تؤدي الأمة واجبها نحو ملكها ، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشرع ، فقد قال النبيء صلى الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي : أقوله لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس ، ويعلموا واجب طاعته .

وعلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه الله على ما في تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وإرادتها . وفائدة هذا العلم أن الله جعله سبيلا له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القوى الكثيرة ، وللطير دلالة في تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ملكه [ ص: 237 ] وسياسة أمته ، مثل استخدام نوع الهدهد في إبلاغ الأخبار وردها ونحو ذلك .

ووراء ذلك كله انشراح الصدر بالحكمة والمعرفة للكثير من طبائع الموجودات وخصائصها . ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها : بعضها مشهور كدلالة بعض أصواته على نداء الذكور لإناثها ، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه ممسك أو يهاجمه كاسر ، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل ، فكل كيفية من تلك الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها بعضا فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة ، فتلك التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها ، وهذا قريب من دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكها وإدغامها واختلاف حركاتها على معان لا يهتدي إليها من يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن دقائقها ، مثل أن يسمع ضللت وظللت ، فالله تعالى أطلع سليمان بوحي على مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما تصفر بتلك التقاطيع ، وقد كان الناس في حيرة من ذلك كما قال المعري :


أبكت تلكم الحمامة أم غـنـ ت على غصن دوحها المياد



وقال صاحبنا الشاعر البليغ الشيخ عبد العزيز المسعودي من أبيات في هذا المعنى :


فمن كان مسرورا يراه تغنيا     ومن كان محزونا يقول ينوح



والاقتصار على منطق الطير إيجاز ; لأنه إذا علم منطق الطير وهي أبعد الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفورا منه ، علم أن منطق ما هو أكثر اختلاطا بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريبا فتبسم ضاحكا من قولها ، فتدل هذه الآية على أنه علم منطق كل صنف من أصناف الحيوان . وهذا العلم سماه العرب علم الحكل بضم الحاء المهملة وسكون الكاف قال الحجاج وقيل ابنه رؤبة :


لو أنني أوتيت علم الحكـل     علم سليمان كلام النـمـل


[ ص: 238 ] أو أنني عمرت عمر الحسل     أو عمر نوح زمن الفطحل




كنت رهين هرم أو قتـل



وعبر عن أصوات الطير بلفظ ( منطق ) تشبيها له بنطق الإنسان من حيث هو ذو دلالة لسليمان على ما في ضمائر الطير ، فحقيقة المنطق الصوت المشتمل على حروف تدل على معان .

وضمير ( علمنا ) و ( أتينا ) مراد به نفسه ، جاء به على صيغة المتكلم المشارك ; إما لقصد التواضع كأن جماعة علموا وأوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفا : وقالا الحمد لله الذي فضلنا ، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك ، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية ، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية عمر رضي الله عنهما حين لقيه في جند ( وأبهة ) ببلاد الشام فقال عمر لمعاوية : أكسروية يا معاوية ؟ فقال معاوية : إنا في بلاد من ثغور العدو فلا يرهبون إلا مثل هذا . فقال عمر : خدعة أريب أو اجتهاد مصيب لا آمرك ولا أنهاك . فترك الأمر لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام .

والمراد ب ( كل شيء ) كل شيء من الأشياء المهمة ففي ( كل شيء ) عمومان عموم ( كل ) وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي ، ف ( كل ) مستعملة في الكثرة و ( شيء ) مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان ، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد : وأوتيت من كل شيء ، أي : كثير من النفائس والأموال . وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه .

والتأكيد في إن هذا لهو الفضل المبين بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة .

و ( الفضل ) : الزيادة من الخير والنفع . و ( المبين ) : الظاهر الواضح .

التالي السابق


الخدمات العلمية