الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ فروع ] في أيمان الفتح ما لفظه ، وقد عرف في الطلاق أنه لو قال : إن دخلت الدار فأنت طالق ، إن دخلت الدار فأنت طالق ، إن دخلت الدار فأنت طالق وقع الثلاث ، وأقره المصنف ثمة . [ ص: 377 ] إن سكنت هذه البلدة فامرأته طالق وخرج فورا وخلع امرأته ثم سكنها قبل العدة لم تطلق ، بخلاف فأنت طالق فليحفظ .

إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت كذا لم يقع حتى يتزوجها مرتين ، بخلاف ما لو قدم الجزاء فليحفظ . إن غبت عنك أربعة أشهر فأمرك بيدك ثم طلقها فاعتدت فتزوجت ثم عادت للأول ثم غاب أربعة أشهر فلها أن تطلق نفسها ولو اختلعت لا لأنه تنجيز والأول تعليق .

دعاها للوقاع فأبت فقال متى يكون ؟ فقالت غدا ، فقال : إن لم تفعلي هذا فالمراد غدا فأنت كذا ثم نسياه حتى مضى الغد لا يقع . [ ص: 378 ] حلف أن لا يأتيها فاستلقى فجاءت فجامعت إن مستيقظا حنث

إن لم أشبعك من الجماع فعلى إنزالها .

إن لم أجامعك ألف مرة فكذا فعلى المبالغة لا العدد .

وإن وطئتك فعلى جماع الفرج ، وإن نوى الدوس بالقدم حنث به أيضا .

له امرأة جنب وحائض ونفساء فقال أخبثكن طالق طلقت النفساء ، وفي أفحشكن طالق فعلى الحائض .

قال : لي إليك حاجة فقال امرأته طالق إن لم أقضها ، فقال هي أن تطلق امرأتك فله أن لا يصدقه .

قال لأصحابه إن لم أذهب بكم الليلة إلى منزلي فامرأته كذا فذهب بهم بعض الطريق فأخذهم العسس فحبسهم لا يحنث . إن خرجت من الدار إلا بإذني فخرجت لحريقها لا يحنث .

التالي السابق


( قوله في أيمان الفتح ) خبر عن ما وليس نعتا لفروع لأن الفرع الأول فقط في أيمان الفتح ح ( قوله وقع الثلاث ) يعني بدخول واحد كما تدل عليه عبارة [ ص: 377 ] أيمان الفتح ، حيث قال : ولو قال لامرأته والله لا أقربك ثم قال والله لا أقربك فقربها مرة لزمه كفارتان . ا هـ . والظاهر أنه إن نوى التأكيد يدين ح .

قلت : وتصوير المسألة بما إذا ذكر لكل شرط جزاء ، فلو اقتصر على جزء واحد . ففي البزازية إن دخلت هذه الدار إن دخلت هذه الدار فعبدي حر وهما واحد فالقياس عدم الحنث حتى تدخل دخلتين فيها ، والاستحسان يحنث بدخول واحد ويجعل الباقي تكرارا وإعادة ا هـ ثم ذكر إشكالا وجوابه وذكر عبارته بتمامها في البحر عند قوله والملك يشترط لآخر الشرطين ، وقوله وهما واحد : أي الداران في الموضعين واحد ، بخلاف ما لو أشار إلى دارين فلا بد من دخولين كما هو ظاهر ( قوله لم تطلق ) هذا مبني على قول ضعيف كما حققناه عند قوله وزوال الملك لا يبطل اليمين فافهم ( قوله بخلاف ما لو قدم الجزاء ) هكذا في بعض النسخ وفي بعضها بخلاف ما لو لم يؤخر الجزاء وكلاهما صحيح ، وأما ما في بعض النسخ ، بخلاف ما لو أخر الجزاء فقال ح : صوابه قدم الجزاء ، ومع ذلك فقد ترك ما إذا وسطه .

قال في النهر وفي المحيط : لو قال إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت طالق لم يقع حتى يتزوجها مرتين ; بخلاف ما إذا قدم الجزاء أو وسطه ا هـ كلام النهر ، وفصله في الفتاوى الهندية فقال : وإن كرر بحرف العطف فقال إن تزوجتك وإن تزوجتك ، أو قال إن تزوجتك ، فإن تزوجتك أو إذا تزوجتك أو متى تزوجتك لا يقع الطلاق حتى يتزوجها مرتين ، ولو قدم الطلاق فقال أنت طالق إن تزوجتك وإن تزوجتك فهذا على تزوج واحد ، ولو قال إن تزوجتك فأنت طالق وإن تزوجتك طلقت بكل واحد من التزويجين ( قوله إن غبت عنك إلخ ) أقول : المسألة ذكرها في البحر عند قول الكنز وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها .

ونصه في القنية : لو قال لها أمرك بيدك ثم اختلعت منه وتفرقا ثم تزوجها ففي بقاء الأمر بيدها روايتان والصحيح أنه لا يبقى قال : إن غبت عنك أربعة أشهر فأمرك بيدك ثم طلقها وانقضت عدتها وتزوجت ثم عادت إلى الأول وغاب عنها أربعة أشهر فلها أن تطلق نفسها . ا هـ . والفرق بينهما أن الأول تنجيز للتخيير فيبطل بزوال الملك ، والثاني تعليق التخيير فكان يمينا فلا يبطل ا هـ كلام البحر ، وبه تعلم ما في كلام الشارح من الإيجاز المخل .

والحاصل أن التخيير يبطل بالطلاق البائن إذا كان التخيير منجزا ، بخلاف المعلق وهذا ما وفق به في الفصول العمادية بين كلامهم كما حررناه قبيل فصل المشيئة ( قوله لا يقع ) لأن الحنث شرطه أن يطلب منها غدا وتمتنع ولم يطلب بحر ، ونحوه في التتارخانية عن المنتقى .

قلت : ومقتضاه أن النسيان لا تأثير له هنا ، لكن سيأتي في الأيمان بأن تعليله إمكان البر شرط لبقاء اليمين بعد انعقادها كما هو شرط لانعقادها ، خلافا لأبي يوسف ، ولا يخفى ما فيه ، فإن إمكان البر محقق بالتذكر ، [ ص: 378 ] على أنه يلزم أن يكون النسيان عذرا في عدم الحنث في غير هذه الصورة أيضا ، وهو خلاف المنصوص فافهم ( قوله إن مستيقظا حنث ) لأنه يسمى إتيانا منه قال تعالى { فأتوا حرثكم أنى شئتم } ( قوله فعلى إنزالها ) أي تنعقد اليمين على أن يجامعها حتى تنزل لأن شبعها يراد به كسر شهوتها به ( قوله فعلى المبالغة لا العدد ) فلا تقدير لذلك والسبعون كثير خانية . والظاهر أن محله ما لم ينو العدد ، فإن نواه عملت نيته لأنه شدد على نفسه ط ( قوله حنث به أيضا ) أي كما يحنث بالجماع فلا يصح نفيه المعنى المتبادر ويؤاخذ بما نواه لأنه شدد على نفسه فأيهما فعل حنث به .

بقي لو فعل كلا منهما هل يحنث مرتين ؟ الظاهر نعم ، وينبغي أن لا يحنث في الديانة إلا بما نوى . قال ط ولو قال إن وطئت من غير ذكر امرأة ولا ضميرها فهو على الدوس بالقدم هو اللغة والعرف وذلك باتفاق أصحابنا ومحله ما لم ينو الجماع وإلا عملت نيته فيما يظهر ( قوله له امرأة إلخ ) لا مناسبة لها في هذا الباب إذ ليس فيها تعليق ، وقوله طلقت النفساء ، لعل وجهه أن الخبيث قد يطلق على المستكره ريحه كالثوم والبصل ودم النفساء منتن لطول مكثه ( قوله فعلى الحائض ) لعل وجهه النهي عنه في القرآن نصا أو كثرته وزيادة أوقاته ومنه غبن فاحش . ثم رأيت في البحر عن القنية علل له بقوله لأنه نص ( قوله فله أن لا يصدقه ) ولا تطلق زوجته لأنه محتمل للصدق والكذب فلا يصدق على غيره بحر عن المحيط . ولا يقال إن هذا مما لا يوقف عليه إلا منه ، فالقول له كقوله لها إن كنت تحبين فقالت أحب لأن ذاك فيما إذا كان المعلق عليه من جهة الزوجة لا من جهة أجنبي كما قدمناه ، وأفاد أنه لو صدقه حنث ( قوله لا يحنث ) ينافي ما يأتي قريبا من أن شرط الحنث إن كان عدميا وعجز حنث . ا هـ . ح وأصله لصاحب البحر .

أقول : لا إشكال لأنه صدق عليه أنه ذهب فعدم الحنث لوجود البر ، ويشهد له ما يأتي متنا في الأيمان : لا يخرج أو لا يذهب إلى مكة فخرج يريدها ثم رجع حنث إذا جاوز عمران مصره على قصدها ا هـ فإن عدم الحنث فيها لوجود المحلوف عليه ط .

قلت : وذكر في الخانية تخريج عدم الحنث في مسألة العسس على قول أبي حنيفة ومحمد فيما إذا حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم فأهرقه قبل مضي اليوم لا يحنث عندهما ا هـ وفي الذخيرة ما يدل على أن في المسألة خلافا ( قوله فخرجت لحريقها لا يحنث ) وكذا لو خرجت للغرق لأن الشرط الخروج بغير إذنه لغير الغرق والحرق بحر أي لأن ذلك غير مراد عرفا يدخل في اليمين ، وكذا يتقيد ببقاء النكاح كما سيأتي في الأيمان [ ص: 379 ] وعلله في الفتح هناك بأن الإذن إنما يصح لمن له المنع ، وهو مثل السلطان إذا حلف إنسانا ليرفعن إليه خبر كل داعر في المدينة كان على مدة ولايته ، فلو أبانها ثم تزوجها فخرجت بلا إذن لا تطلق وإن كان زوال الملك لا يبطل اليمين عندنا لأنها لم تنعقد إلا على بقاء النكاح ا هـ ومثله تحليف رب الدين الغريم أن لا يخرج من البلد إلا بإذنه تقيد بقيام الدين كما سيأتي هناك إن شاء الله تعالى




الخدمات العلمية