الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث السادس إن الحلال بين وإن الحرام بين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 193 ] الحديث السادس عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات ، لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم .

التالي السابق


وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا ولا حراما إلا مبينا ، لكن بعضه كان أظهر بيانا من بعض ، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك ، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام ، وما كان بيانه دون ذلك ، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة ، فأجمع العلماء على حله أو حرمته ، وقد يخفى على بعض من ليس منهم ، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضا ، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب : منها أنه قد يكون النص عليه خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس ، فلم يبلغ جميع حملة العلم . ومنها أنه قد ينقل فيه نصان ، أحدهما بالتحليل ، والآخر بالتحريم ، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر ، فيتمسكون بما بلغهم ، أو يبلغ النصان معا من لم يبلغه التاريخ ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ . [ ص: 197 ] ومنها ما ليس فيه نص صريح ، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس ، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرا . ومنها ما يكون فيه أمر ، أو نهي ، فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب ، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه ، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا . ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق الحق ، فيكون هو العالم بهذا الحكم ، وغيره يكون الأمر مشتبها عليه ولا يكون عالما بهذا ، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها ، فلا يكون الحق مهجورا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في المشتبهات : لا يعلمهن كثير من الناس فدل على أن من الناس من يعلمها ، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها ، وليست مشتبهة في نفس الأمر ، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء . وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر ، وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن ومنها ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه ، فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه ، اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك ، أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه والثاني : لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه . وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري : هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه ، ولا يحرم عليه تناوله ، لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه ، والورع اجتنابه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : إنى لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ، ثم أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها [ ص: 198 ] خرجاه في " الصحيحين " فإن كان هناك من جنس المحظور ، وشك هل هو منه أم لا ؟ قويت الشبهة . وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابه أرق من الليل ، فقال له بعض نسائه : يا رسول الله ، أرقت الليلة فقال : إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي ، فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة ، فخشيت أن تكون منه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث