الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 579 ] ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة

فيها كانت وقعة حطين
التي كانت أمارة ومقدمة وبشارة لفتح بيت المقدس على المؤمنين ، واستنقاذه من أيدي الكافرين ، قال ابن الأثير في الكامل : كان أول يوم منها يوم السبت ، وكان يوم النيروز ، وذلك أول سنة الفرس ، واتفق أنه أول سنة الروم أيضا ، وهو اليوم الذي نزلت فيه الشمس برج الحمل ، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضا . وقال : وهذا شيء يبعد وقوع مثله .

وبرز السلطان من دمشق يوم السبت مستهل المحرم - وقيل : في أثنائه - في الجيش العرمرم ليجاهد بأهل الجنة أهل جهنم ، فسار إلى رأس الماء ، فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش وتقدم السلطان ببقية الجيش إلى بصرى فخيم على قصر أبي سلامة ينتظر قدوم الحجاج ، وفيهم أخته ست الشام وابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين ، ليسلموا من معرة إبرنس الكرك الذي غدر ونقض العهد وفجر . فلما اجتاز الحجيج في أواخر صفر ، سار السلطان فنزل الكرك وقطع ما حوله من الأشجار ورعى الزروع وأكلوا الثمار ، وجاءته العساكر المصرية وتوافت الجيوش الشرقية بالرماح الخطية والسيوف [ ص: 580 ] المشرقية ، فنزلوا عند ابن السلطان على رأس الماء ، وبعث الأفضل سرية نحو بلاد الفرنج ، فقتلت وغنمت وسلمت وكسرت وأسرت ، ورجعت فبشرت بمقدمات الفتح والنصر ، وجاء السلطان في جحافله والتفت عليه جميع العساكر البادي منهم والحاضر ، فرتب الجيوش والأطلاب ، وسار قاصدا بلاد الساحل ، وكان جملة من معه من المقاتلة اثني عشر ألفا غير المطوعة ، فتسامعت الفرنج بمقدمه ، فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم ، ودخل معهم قومص أطرابلس الغادر وإبرنس الكرك الفاجر ، وجاءوا بقضهم وقضيضهم وأهل أوجهم وحضيضهم ، واستصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت ، وضلال الناسوت واللاهوت ، في خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى ، يقال : كانوا خمسين ألفا . وقيل : ثلاثا وستين ألفا . وقد خوفهم صاحب طرابلس بأس المسلمين ، فاعترض عليه الإبرنس أرناط صاحب الكرك فقال له : لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم ، والنار لا تخاف من كثرة الحطب . فقال القومص لهم : ما أنا إلا منكم ، وسترون غب ما أقول لكم . فتقدموا وأقبل السلطان ففتح طبرية وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك ، وتحصنت عنه القلعة فلم يشتغل بها ، وحاز البحيرة في حوزته ، ومنع الكفرة أن يصلوا منها إلى غرفة ، أو يروا للماء ريا ، وأقبلوا في عطش لا يعلمه إلا [ ص: 581 ] الله عز وجل ، فبرز لهم السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها : حطين . التي يقال : إن فيها قبر شعيب عليه السلام . فتواجه هنالك الجيشان وتقابل الفريقان ، وأسفر وجه الإيمان ، واغبر وأقتم وجه الكفران والخسران وذلك عشية يوم الجمعة ، وبات الناس على مصافهم وأسفر الصباح عن يوم السبت الذي كان يوما عسيرا على أهل يوم الأحد ، وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر في شدة الحر ، وطلعت الشمس على وجوه النصارى وهم من شدة الحر سكارى وما هم بسكارى ، وكان تحت أقدام خيولهم هشيم حشيش ، فأمر السلطان النفاطة ، فرموه فتأجج تحت سنابك خيولهم نارا ، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش ، وحر النار من تحت أرجلهم ، وحر رشق السهام عن القسي القاسية ، فتبارز الشجعان في حومة الوغى ، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة ، فكان النصر من الله عز وجل ، فمنحهم الله أكتاف الكفرة الفجرة ، فقتل منهم ثلاثون ألفا في ذلك اليوم ، وأسر ثلاثون ألفا من شجعانهم وفرسانهم ، وكان في جملة الأسارى جميع ملوكهم سوى قومص طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة ، وأخذ صليبهم الأعظم عندهم ، وهو الذي يزعمون أنه الذي صلب عليه المصلوب ، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفسية ، وكان يوما على الكافرين عسيرا ، ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله ، ودمغ الباطل وذله ، حتى إنه ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم وهو يقود نيفا وثلاثين أسيرا من الفرنج ، قد ربطهم بطنب خيمة ، وباع بعضهم أسيرا بنعل [ ص: 582 ] لبسها في رجله ، وجرت أمور لم يسمع بمثلها ولا وقعت العيون على شكلها ، فلله الحمد دائما حمدا كثيرا طيبا .

ولما تمت هذه الوقعة العظيمة والنعمة العميمة الجسيمة ، أمر السلطان بضرب مخيم عظيم ، وجلس فيه على سرير المملكة وعن يمينه أسرة وعن يساره مثلها ، وجيء بالأسارى تتهادى في قيودها ، فضربت أعناق جماعة من مقدمي الداوية والإسبتارية بين يديه صبرا ، ولم يترك منهم من كان يذكر الناس عنه ذكرا ، ثم جيء بالملوك فأجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم ، فأجلس ملكهم الكبير عن يمينه ، وتحته أرناط إبرنس الكرك - قبحه الله تعالى - وبين يديه بقية الملوك وعن يساره ، فجيء السلطان بشراب مثلوج من الجلاب ، فشرب ثم ناول الملك فشرب ، ثم ناول ملكهم أرناط فشرب ، فغضب السلطان ، وقال : إنما سقيتك ولم آمرك أن تسقيه ، هذا لا عهد له عندي . ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل الخيمة واستدعى أرناط ، فلما أوقف بين يديه قام إليه بالسيف وقال : نعم أنا أنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتصار لأمته . ثم دعاه إلى الإسلام فامتنع ، فقتله وأرسل برأسه إلى الملوك ، وقال : إن هذا تعرض لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلته ، ثم قتل السلطان جميع من كان من الأسارى من الداوية والإسبتارية صبرا ، وأراح الله المسلمين من هذين الجنسين الخبيثين ، ولم يسلم ممن عرض عليه الإسلام إلا القليل ، فيقال : إنه بلغت القتلى ثلاثين ألفا ، وكذلك الأسارى كانوا ثلاثين ألفا ، وكان جملة جيش الفرنج ثلاثة وستين ألفا ، ومن سلم منهم - مع قلتهم - أكثرهم [ ص: 583 ] جرحى ، فماتوا ببلادهم بعد رجوعهم ، وممن مات كذلك قومص طرابلس فإنه انهزم جريحا فمات ببلده بعد مرجعه ، لعنه الله ، ثم أرسل برؤساء الأسارى ورءوس أعيان القتلى ، وبصليب الصلبوت صحبة القاضي ابن أبي عصرون إلى دمشق ليودعوا في قلعتها ، فدخل بالصليب منكوسا ، فكان يوما مشهودا ، ولله الحمد والمنة .

ثم سار السلطان إلى قلعة طبرية ففتحها ، وقد كانت طبرية تقاسم بلاد حوران والبلقاء وما حولها من الجولان وتلك الأراضي كلها بالنصف ، فأراح الله المسلمين من تلك المقاسمة وتوفرت عليهم ، ثم سار إلى عكا فنزل عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر ، فافتتحها صلحا يوم الجمعة ، وأخذ ما كان بها من حواصل وأموال وذخائر ومتاجر ، واستنقذ من كان بها من أسرى المسلمين ، فوجدوا بها أربعة آلاف أسير منهم ، ففرج الله عنهم ولله الحمد ، وأمر بإقامة الجمعة بها ، فكانت أول جمعة أقيمت بالساحل بعد أن أخذه الفرنج ، من سبعين سنة فلله الحمد دائما . وسار منها إلى صيدا وبيروت وتلك النواحي من السواحل فأخذها ، لخلوها من المقاتلة ومن الملوك ، ثم سار نحو غزة وعسقلان ونابلس وبيسان وأراضي الغور فملك ذلك كله بحول الله وقوته ، واستناب السلطان على نابلس ابن أخيه حسام الدين عمر بن محمد بن [ ص: 584 ] لاجين ، وهو الذي افتتحها ; وكان جملة ما افتتحه في هذه المدة القريبة قريبا من خمسين بلدا كل بلدة لها مقاتلة وقلعة ومنعة ، فلله الحمد .

وغنم الجيش والمسلمون من هذه الأماكن شيئا كثيرا ، وسبوا شيئا كثيرا لا يحد ولا يوصف ، واستبشر الإسلام وأهله شرقا وغربا بهذا النصر العظيم والفتوحات الهائلة . وترك السلطان جيوشه ترتع في هذه الفتوحات والغنائم الكثيرة مدة شهور ; ليستريحوا ويجمعوا أنفسهم وخيولهم ليتأهبوا لفتح بيت المقدس الشريف ، وطار في الناس أن السلطان عزم على فتح بيت المقدس فقصده العلماء والصالحون والمتطوعة من كل فج عميق ، وجاء أخوه العادل بعد وقعة حطين وفتح عكا ففتح بنفسه حصونا كثيرة أيضا ، فاجتمع من عباد الله ومن الجيوش المتطوعة خلق كثير وجم غفير ، فعند ذلك قصد السلطان بيت المقدس بمن معه ، كما سيأتي بيانه .

وقد امتدح الشعراء الملك صلاح الدين بسبب وقعة حطين فقالوا وأكثروا ، وأطابوا وأطنبوا ، وكتب إليه القاضي الفاضل من دمشق - وكان مقيما بها لمرض ناله - : ليهن المولى أن الله قد أقام به الدين القيم ، وأنه كما قيل : أصبحت مولاي ومولى كل مسلم . وأنه قد أسبغ عليه النعمتين ; الباطنة والظاهرة ، وأورثه الملكين ; ملك الدنيا وملك الآخرة ، كتب المملوك الخدمة ، والرءوس إلى الآن لم ترفع من سجودها ، والدموع لم تمسح من خدودها ، وكلما فكر المملوك أن البيع تعود وهي مساجد ، والمكان الذي كان يقال فيه : إن الله ثالث ثلاثة ، يقال اليوم فيه : إنه الواحد . جدد لله شكرا تارة يفيض من لسانه ، [ ص: 585 ] وتارة يفيض من أجفانه ، وجزى الله يوسف خيرا عن إخراجه من سجنه ، والمماليك ينتظرون أمر المولى ، فكل من أراد أن يدخل الحمام بدمشق قد عول على دخول حمام طبرية .


تلك المكارم لا قعبان من لبن وذلك الفتح لا عمان واليمن


وذلك السيف لا سيف ابن ذي يزن

ثم قال : وللألسنة بعد في هذا الفتح سبح طويل وقول جليل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث