الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في زكاة السائمة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1572 حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو إسحق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه قال زهير أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهما درهم وليس عليكم شيء حتى تتم مائتي درهم فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فعلى حساب ذلك وفي الغنم في أربعين شاة شاة فإن لم يكن إلا تسع وثلاثون فليس عليك فيها شيء وساق صدقة الغنم مثل الزهري قال وفي البقر في كل ثلاثين تبيع وفي الأربعين مسنة وليس على العوامل شيء وفي الإبل فذكر صدقتها كما ذكر الزهري قال وفي خمس وعشرين خمسة من الغنم فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الجمل إلى ستين ثم ساق مثل حديث الزهري قال فإذا زادت واحدة يعني واحدة وتسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى عشرين ومائة فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق وفي النبات ما سقته الأنهار أو سقت السماء العشر وما سقى الغرب ففيه نصف العشر وفي حديث عاصم والحارث الصدقة في كل عام قال زهير أحسبه قال مرة وفي حديث عاصم إذا لم يكن في الإبل ابنة مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ببعض أول هذا الحديث قال فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك قال فلا أدري أعلي يقول فبحساب ذلك أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول إلا أن جريرا قال ابن وهب يزيد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول [ ص: 327 ]

التالي السابق


[ ص: 327 ] ( قال زهير أحسبه ) : أي أظن أن أبا إسحاق روى الحديث عن عاصم عن علي مرفوعا لا موقوفا عليه ( هاتوا ) : أي آتوا في كل حول ( ربع العشور ) : من الفضة ( درهما ) : نصب على التميز ( درهم ) بالرفع على الابتداء وبالنصب على المفعولية ( عليكم شيء ) : من الزكاة ( حتى تتم ) : بالتأنيث أي تبلغ الرقة أو الدراهم : ( مائتي درهم ) : نصبه على الحالية أي بالغة مائتين ( فإذا كانت ) : الدراهم ( ففيها ) : أي حينئذ ( فما زاد ) أي على أقل نصاب ( فعلى حساب ذلك ) : قال الخطابي : فيه دليل على أن القليل والكثير من الزيادة على النصاب محسوب على صاحبه ومأخوذ منه الزكاة بحصته . انتهى .

قال ابن الملك : وهذا يدل على أنه تجب الزكاة في الزائد على النصاب بقدره قل أو كثر ، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : لا زكاة في الزائد عليه حتى يبلغ أربعين درهما انتهى ( في كل أربعين شاة شاة ) : إلى عشرين ومائة ، فإن زادت واحدة فشاتان إلى مائتين ، فإن زادت فثلاث شياه إلى ثلاثمائة ، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة ( فإن لم تكن ) : روي بالتأنيث والتذكير ( إلا تسع وثلاثون ) : من الغنم ( فليس عليك فيها شيء ) : لأنها لم تبلغ النصاب ( تبيع ) : أي ما له سنة ، وسمي به لأنه يتبع أمه بعد والأنثى تبيعة .

قال الخطابي : إن العجل ما دام يتبع أمه فهو تبيع إلى تمام سنة ثم هو جذع ثم ثني ثم رباع ثم سدس وسديس ثم صالغ وهو المسن انتهى ( مسنة ) : أي ما له سنتان وطلع سنها . حكى في النهاية عن الأزهري أن البقر والشاة يقع عليها اسم المسن إذا كان في السنة الثانية . والاقتصار على المسنة في الحديث يدل على أنه لا يجزئ المسن . ولكنه أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعا وفي كل أربعين مسنة أو مسن انتهى ( وليس على العوامل ) قال الخطابي : فيه بيان فساد قول من أوجب فيها الصدقة وفي الحديث دليل على [ ص: 328 ] أن البقر إذا زادت على الأربعين لم يكن فيها شيء حتى تستكمل ستين ، ويدل على صحة ذلك ما روي عن معاذ أنه أتي بوقص البقر فلم يأخذه . ومذهب أبي حنيفة أن ما زاد على الأربعين ، فبحسابه انتهى .

وحديث معاذ في الأوقاص أخرجه أحمد في مسنده ( ما سقته الأنهار ) : موصولة ( وسقت السماء ) : أي ماء المطر ( وما سقي بالغرب نصف العشر ) قال الخطابي : الغرب الدلو الكبير يريد ما سقي بالسواقي وما في معناهما مما سقي بالدواليب لأن ما عمت منفعته وخفت مؤنته كان أحمل للمواساة فوجب فيه العشر توسعة على الفقراء وجعل فيما كثرت مؤنته نصف العشر رفقا بأهل الأموال . انتهى قال المنذري : وأخرجه ابن ماجه طرفا منه . ( قال مرة ) : أي مرة واحدة في كل سنة . [ ص: 329 ] ( وسمى آخر ) : أي سمى ابن وهب مع جرير رجلا آخر ( ففيها خمسة دراهم ) : أي ربع عشرها ( إلا أن جريرا قال ابن وهب يزيد ) : لفظ جرير اسم إن وجملة يزيد خبر إن ، وقال ابن وهب هو مدرج بين اسم إن وخبره ( حتى يحول عليه الحول ) قال الخطابي : إنما أراد به المال النامي كالمواشي والنقود ، لأن نماها لا يظهر إلا بمدة الحول عليها .

فأما الزرع والثمار فإنه لا يراعى فيها الحول وإنما ينظر إلى وقت إدراكها واستحصادها فيخرج الحق منه . وفيه حجة لمن ذهب إلى أن القول بالفوائد والأرباح [ ص: 330 ] يستأنف بها الحول ولا يبنى على حول الأصل . وفيه دليل على أن النصاب إذا نقص في خلال الحول ولم يوجد كاملا من أول الحول إلى آخره أنه لا تجب فيه الزكاة . وإلى هذا ذهب الشافعي .

وعند أبي حنيفة أن النصاب إذا وجد كاملا في طرفي الحول وإن نقص في خلاله لم تسقط عنه الزكاة ، ولم يختلفا في العروض التي هي للتجارة أن الاعتبار إنما هو لنظر في الحول وذلك لأنه لا يمكن ضبط أمرها في خلال السنة . انتهى .

قال في سبل السلام : الحديث أخرجه أبو داود مرفوعا من حديث الحارث الأعور إلا قوله فما زاد فبحساب ذلك . قال فلا أدري أعلي يقول : فبحساب ذلك أو يرفعه إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإلا قوله ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول ، فأفاد كلام أبي داود أن في رفعه بجملته اختلافا . ونبه الحافظ ابن حجر في التلخيص على أنه معلول وبين علته ، ولكنه أخرج الدارقطني الجملة الآخرة من حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ : " لا زكاة في مال امرئ حتى يحول عليه الحول " . وأخرج أيضا عن عائشة مرفوعا : ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول . وله طرق أخرى انتهى .

وقال الحافظ في التلخيص : أخرجه أبو داود بقوله حدثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب حدثنا جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث عن علي ونبه ابن المواق على علة خفية فيه ، وهي أن جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق فذكره قال ابن المواق : والحمل فيه على سليمان شيخ أبي داود فإنه وهم في إسقاط رجل انتهى .

وقوله فبحساب ذلك أسنده زيد بن حبان الرقي عن أبي إسحاق بسنده انتهى كلامه .

والحديث دليل على أن نصاب الفضة مائتا درهم وهو إجماع وإنما الخلاف في قدر الدرهم فإن فيه خلافا كثيرا . وفي شرح الدميري أن كل درهم ستة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ، والمثقال لم يتغير في جاهلية ولا إسلام . قال : واجتمع المسلمون على هذا .

وقال بعض العلماء : إن نصاب الفضة من القروش الموجودة على رأي بعض ثلاثة عشر قرشا ، وعلى رأي الشافعية أربعة عشر ، وعلى رأي الحنفية عشرون وتزيد قليلا ، وإن نصاب الذهب عند بعض خمس عشر أحمر وعشرين عند الحنفية . ثم قال : وهذا تقريب .

قال في سبل السلام : إن قدر زكاة المائتي درهم ربع العشر هو إجماع .

وقوله فما [ ص: 331 ] زاد فبحساب ذلك قد عرفت أن في رفعه خلافا ، وعلى ثبوته فيدل على أنه يجب في الزائد وقال بذلك جماعة من العلماء . وروي عن علي وعن ابن عمر أنهما قالا ما زاد على النصاب من الذهب والفضة ففيه ـ أي الزائد ـ ربع العشر في قليله وكثيره وأنه لا وقص فيهما ، ولعلهم يحملون حديث جابر الذي أخرجه مسلم بلفظ : وليس فيما دون خمس أواق صدقة ، على ما إذا انفردت عن نصاب منهما لا إذا كانت مضافة إلى نصاب منهما . وهذا الخلاف في الذهب والفضة ، وأما الحبوب فقال النووي في شرح مسلم : إنهم أجمعوا فيما زاد على خمسة أوسق أنها تجب زكاته بحسابه وأنه لا أوقاص فيها انتهى وحملوا حديث أبي سعيد الذي أخرجه مسلم بلفظ : وليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة على ما لم ينضم إلى خمسة أوسق ، وهذا يقوي مذهب علي وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ الذي قدمنا في النقدين .

وقوله وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا ، وفيه حكم نصاب الذهب وقدر زكاته وأنه عشرون دينارا وفيها نصف دينار وهو أيضا ربع عشرها ، وهو عام لكل فضة وذهب مضروبين أو غير مضروبين . وفي حديث أبي سعيد مرفوعا أخرجه الدارقطني وفيه : لا يحل في الورق زكاة حتى يبلغ خمس أواق . وأخرج أيضا من حديث جابر مرفوعا ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة . وأما الذهب ففيه هذا الحديث . ونقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي أنه قال : فرض رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الورق صدقة ، فأخذ المسلمون بعده في الذهب صدقة إما بخبر لم يبلغنا وإما قياسا . وقال ابن عبد البر : لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات ، وذكر هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وأخرجه الدارقطني . قال صاحب السبل : قلت لكن قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله الآية منبه على أن في الذهب حقا لله . وأخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقهما إلا جعلت له يوم القيامة صفائح وأحمي عليها الحديث . فحقها هو زكاتها .

وفي الباب أحاديث يشد بعضها بعضا سردها في الدر المنثور . ولا بد في نصاب الذهب والفضة من أن يكونا خالصين من الغش . وفي شرح الدميري على المنهاج أنه إذا كان الغش يماثل أجرة الضرب والتخليص فيتسامح به ، وبه عمل الناس على الإخراج انتهى كلام صاحب السبل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث