الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

287 257 - وأما حديثه عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال : سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون فخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : " أصلاتان معا ؟ أصلاتان معا ؟ " وذلك في صلاة الصبح ، والركعتين اللتين قبل الصبح .

التالي السابق


6929 - فهكذا رواه في " " الموطأ " " كل من روى " الموطأ " ، ورواه الوليد بن مسلم ، عن مالك ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أنس بن مالك أن ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعوا الإقامة فقاموا يصلون ، فخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أصلاتان معا ؟ " 6930 - وقد أخطأ الوليد بن مسلم إذ جعله عن أنس ، والصواب عن مالك ما في " الموطأ " .

6931 - وقد رواه الدراوردي ، عن شريك بن أبي نمر ، عن أبي سلمة ، عن عائشة فأسنده .

6932 - وقد روى هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه : عبد الله بن [ ص: 303 ] سرجس ، وعبد الله بن بحينة ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله .

6933 - وقد ذكرناها بالأسانيد في كتاب " التمهيد " .

[ ص: 304 ] 6934 - والمعنى في هذا الحديث النهي عن أن يصلي أحد في المسجد صلاة نافلة ، ويترك الصلاة القائمة فيه الفريضة .

6935 - وكذلك حكى ابن عبد الحكيم ، عن مالك قال : لا يركع أحد في المسجد وقد أقيمت الصلاة .

6936 - وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " .

6937 - وقد ذكرنا هذا الحديث من طرق كثيرة عن أبي هريرة ، عن النبي في " التمهيد " .

6938 - واختلف الفقهاء في الذي لم يصل ركعتي الفجر وأدرك الإمام في الصلاة ، أو دخل المسجد ليصليهما ، فأقيمت عليه الصلاة .

[ ص: 305 ] 6939 - فقال مالك : إذا كان قد دخل المسجد فليدخل مع الإمام ولا يركعهما في المسجد ، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما خارج المسجد ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد اللاصقة به التي تصلى فيها الجمعة . وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإمام فليدخل وليصل معه ، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب ، ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي من تركهما .

6940 - وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد .

6941 - وقال الأوزاعي : إذا دخل المسجد يركعهما إلا أن يوقن أنه إن فعل فاتته الركعة الأخيرة ، فأما الركعة الأولى فليركع وإن فاتته .

6942 - وقال الحسن بن حي : إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر .

6943 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدري الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه وإن رجى أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ، ثم يدخل مع الإمام .

6944 - قال أبو عمر : اتفق هؤلاء كلهم على أن يركع ركعتي الفجر والإمام يصلي ، منهم من راعى فوت الركعة الأولى ، ومنهم من راعى الثانية ، ومنهم من اشترط الخروج عن المسجد ، ومنهم من لم يشترطه ورأى أن يصلي فيه وحجتهم أن ركعتي الفجر من السنن المؤكدة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواظب عليها ، فإذا أمكن الإتيان بهما وإدراك ركعة من صلاة الصبح فلا يتركهما ، لأن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها .

6945 - واحتج بعضهم بأن قال : يحتمل قوله : " أصلاتان معا " أن يكون أراد الجمع بين الفريضة والنافلة في موضع واحد كما نهى عن الصلاة يوم [ ص: 306 ] الجمعة تطوعا بعدها في مقام واحد حتى يتقدم أو يتكلم .

6946 - احتج بهذا الطحاوي ، وليس هذا عندي بشيء ; لأن النهي إنما ورد أن تصليا معا ، وأن يصلي إذا أقيمت المكتوبة - غيرها مما ليس بمكتوبة ويشتغل عنها بما سواها .

6947 - واحتج من رأى أن تصلى خارج المسجد بحديث يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح ولم يكن صلى الركعتين قبل صلاة الصبح ، فصلاهما في حجرة حفصة ، ثم دخل مع الإمام .

6948 - وهذا قول مالك ، وأبي حنيفة .

6949 - وقد ذكرنا إسناد هذا الحديث في " التمهيد " .

6950 - وعن سعيد بن جبير معناه ، وقد ذكرناه أيضا .

6951 - وروي عن ابن مسعود ، أنه دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر ثم دخل في الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى .

6952 - وبهذا قال الأوزاعي والثوري .

6953 - ومن حجتهما أنه إذا جاز الاشتغال عن المكتوبة التي أقيمت بركعتي الفجر خارج المسجد جاز ذلك في المسجد .

6954 - وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة للصبح ، ولم يكن ركع ركعتي الفجر ، فليدخل مع الناس ولا يركع ركعتي الفجر لا خارج المسجد ولا داخل المسجد .

6955 - وكذلك قال الطبري : لا يتشاغل أحد بنافلة بعد إقامة الفريضة .

6956 - وقال أبو بكر بن الأثرم : سئل أحمد بن حنبل - وأنا أسمع - عن رجل [ ص: 307 ] دخل المسجد والإمام في صلاة الصبح ولم يركع الركعتين .

6957 - فقال : يدخل في الصلاة ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " وقال أيضا : " أصلاتان معا " .

6958 - قال أحمد : ويقضيهما من الضحى إن شاء .

6959 - قيل له : فإن صلاهما بعد سلامه قبل طلوع الشمس ؟

6960 - قال : يجزئه ، وأما أنا فأختار أن يصليهما من الضحى .

6961 - ثم قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصليهما من الضحى .

6962 - وقال محمد بن سيرين : كانوا يكرهون أن يصلوهما إذا أقيمت الصلاة ، وقال : ما يفوته من المكتوبة أحب إلي منهما .

6963 - قال أبو عمر : هذا القول أصح ; لأن فيه حديثا مسندا يجب الوقوف عنده والرد إليه فيما ينازع العلماء فيه ، إذ لم يكن له في الكتاب ذكر ولا جاء عن النبي ما يعارضه .

6964 - حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن أحمد بن حمويه ، قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق ، قال : حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن سلم المقدسي ببيت المقدس ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمر الحنفي ، قال : حدثنا عبد الرزاق بن همام ، قال : أخبرنا معمر ، وابن جريج ، وسفيان الثوري ، وزكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " .

6965 - وهكذا رواه حماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وجماعة يطول ذكرهم ، [ ص: 308 ] عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي مرفوعا .

6966 - ومنهم من يرويه عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار بإسناده مثله .

6967 - وقد وقف قوم هذا الحديث على أبي هريرة ، منهم سفيان بن عيينة ، والذين يرفعونه أكثر عددا وكلهم حافظ ثقة ، فيجب قبول ما زادوه وحفظوه على أن ما صح رفعه لا حرج على الصاحب في توقيفه ; لأنه أفتى بما علم منه .

6968 - وليس قوله : " أصلاتان معا ؟ " مما يمنع من صلاة العشاء الآخرة في المسجد لمن فاتته مع الإمام ، والناس في صلاة الإشفاع ; لأن النهي في ذلك إنما ورد عن الاشتغال بنافلة عن فريضة تقام في الجماعة ، والمساجد إنما بنيت للفرائض لا للنوافل .

6969 - فالذي تفوته صلاة العشاء أحق بإقامتها في المسجد من المصلين فيه جماعة نافلة الإشفاع كانت أو غيرها .

6970 - وينبغي له أن يصير في ناحية من المسجد حيث يأمن تخليط الإمام في الإشفاع عليه .

6971 - وعلى ما قلت لك جماعة الفقهاء لا أعلمهم يختلفون في ذلك .

6972 - وفيما وصفت لك دليل على أن المراد بالحديث كراهة الاشتغال عن الفريضة بالنافلة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث