الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر حال جاولي بعد إطلاق القمص

لما أطلق جاولي القمص بماكسين سار إلى الرحبة ، فأتاه أبو النجم بدران ، وأبو كامل منصور ، ابنا سيف الدولة صدقة ، وكانا ، بعد قتل أبيهما بقلعة جعبر ، عند سالم بن مالك ، فتعاهدوا على المساعدة والمعاضدة ، ووعدهما أنه يسير معهما إلى الحلة ، وعزموا أن يقدموا عليهم بكتاش بن تكش بن ألب أرسلان .

فوصل إليهم ، وهم على هذا العزم ، أصبهبذ صباوة ، وكان قد قصد السلطان فأقطعه الرحبة وقد ذكرناه ، فاجتمع بجاولي ، وأشار عليه أن يقصد الشام ، فإن بلاده خالية من الأجناد ، والفرنج قد استولوا على كثير منها ، وعرفه أنه متى قصد العراق ، والسلطان بها ، أو قريبا منها ، لم يأمن شرا يصل إليه .

فقبل قوله ، وأصعد عن الرحبة ، فوصل إليه رسل سالم بن مالك ، صاحب قلعة جعبر ، يستغيث به من بني نمير ، وكانت الرقة بيد ولده علي بن سالم ، فوثب جوشن النميري ، ومعه جماعة من بني نمير ، فقتل عليا وملك الرقة .

فبلغ ذلك الملك رضوان ، فسار من حلب إلى صفين ، فصادف تسعين رجلا من الفرنج معهم مال من فدية القمص ، صاحب الرها ، قد سيره إلى جاولي ، فأخذه ، [ ص: 568 ] وأسر عددا منهم ، وأتى الرقة ، فصالحه بنو نمير على مال ، فرحل عنهم إلى حلب فاستنجد سالم بن مالك جاولي ، وسأله أن يرحل إلى الرقة ويأخذها ، ووعده بما يحتاج إليه .

فقصد الرقة ، وحصرها سبعين يوما ، فضمن له بنو نمير مالا وخيلا ، فأرسل إلى سالم : إنني في أمر أهم من هذا ، وأنا بإزاء عدو ، ويجب التشاغل به دون غيره ، وأنا عازم على الانحدار إلى العراق ، فإن تم أمري فالرقة وغيرها لك ، ولا أشتغل عن هذا المهم بحصار خمسة نفر من بني نمير .

ووصل إلى جاولي الأمير حسين بن أتابك قتلغ تكين ، وكان أبوه أتابك السلطان محمد ، فقتله ، وتقدم ولده هذا عند السلطان ، واختص به ، فسيره السلطان مع فخر الملك بن عمار ليصلح الحال مع جاولي ، ويأمر العساكر بالمسير مع ابن عمار إلى جهاد الكفار ، فحضر عند جاولي ، وأمر بتسليم البلاد وطيب قلبه عن السلطان ، وضمن الجميل ، إذا سلم البلاد ، وأظهر الطاعة والعبودية ، فقال جاولي : أنا مملوك السلطان ، وفي طاعته ، وحمل إليه مالا وثيابا لها مقدار جليل ، وقال له : سر إلى الموصل ورحل العسكر عنها ، فإني أرسل معك من يسلم ولدي إليك رهينة ، وينفذ السلطان إليها من يتولى أمرها وجباية أموالها ، ففعل حسين ذلك ، وسار ومعه صاحب جاولي ، فلما وصلا إلى العسكر الذي على الموصل ، وكانوا لم يفتحوها بعد ، أمرهم حسين بالرحيل ، فكلهم أجاب ، إلا الأمير مودود فإنه قال : لا أرحل إلا بأمر السلطان ، وقبض على صاحب جاولي ، وأقام على الموصل ، حتى فتحها كما ذكرناه .

وعاد حسين بن قتلغ تكين إلى السلطان ، فأحسن النيابة عن جاولي عنده ، وسار جاولي إلى مدينة بالس ، فوصلها ثالث عشر صفر ، فاحتمى أهلها منه ، وهرب من بها من أصحاب الملك رضوان وصاحب حلب ، فحصرها خمسة أيام ، وملكها بعد أن نقب برجا من أبراجها ، فوقع على النقابين ، فقتل منهم جماعة وملك البلد ، وصلب جماعة من أعيانه عند النقب ، وأحضر القاضي محمد بن عبد العزيز بن إلياس فقتله ، وكان صالحا ، ونهب البلد وأخذ منه مالا كثيرا .

التالي السابق


الخدمات العلمية