الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 431 ] باب الرجوع عن الشهادة

ولا يصح إلا في مجلس الحكم ، فإن رجعوا قبل الحكم بها سقطت ، وبعده لم يفسخ الحكم ، وضمنوا ما أتلفوه بشهادتهم ، فإن شهدا بمال فقضي به ، وأخذه المدعي ثم رجعا ضمناه للمشهود عليه ، فإن رجع أحدهما ضمن النصف ، والعبرة في الرجوع لمن بقي لا لمن رجع ، فلو كانوا ثلاثة فرجع واحد لا شيء عليه ، فإن رجع آخر ضمنا النصف ، وإن شهد رجل وامرأتان فرجعت واحدة فعليها ربع المال ، وإن رجعتا ضمنتا نصفه ، ولو شهد رجل وعشر نسوة ثم رجعوا فعلى الرجل السدس وعليهن خمسة أسداسه ( سم ) ، ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا فالضمان على الرجلين خاصة . شهدا بنكاح بأقل من مهر المثل ثم رجعا لا ضمان عليهما ، وإن كان بأكثر من مهر المثل ضمنا الزيادة للزوج ، وفي الطلاق إن كان قبل الدخول ضمنا نصف ( ف ) المهر وإن كان بعده لم يضمنا ( ف ) وإذا رجع شهود القصاص ضمنوا الدية ، وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا ، وإن رجع شهود الأصل وقالوا : لم نشهد شهود الفرع لم يضمنوا ، ولا ضمان على شهود الإحصان ، وإن رجع شهود اليمين ، وشهود الشرط فالضمان على شهود اليمين وإذا رجع المزكون ضمنوا .

[ ص: 431 ]

التالي السابق


[ ص: 431 ] باب الرجوع عن الشهادة

الأصل فيه قول عمر - رضي الله عنه - في كتاب القاضي : فلا يمنعك قضاء قضيته وراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه إلى الحق ، فإن الحق قديم لا يبطل ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، فكذلك الشاهد لأن المعنى يجمعهما ، لأن الرجوع عن الشهادة الباطلة رجوع من الباطل إلى الحق ، والرجوع قوله شهدت بزور وما أشبهه ، وأصل آخر أن الشاهد بشهادته تسبب إلى إتلاف المال على المشهود عليه بإخراجه من ملكه يدا وتصرفا ، فإن أزاله بغير عوض ضمن الجميع ، وإن كان بعوض إن كان مثلا له لا ضمان عليه ، وإن كان أقل منه ضمن النقصان ، والقاضي ملجأ إلى القضاء من جهة الشهود فلا يضاف الإتلاف إليه .

قال : ( ولا يصح إلا في مجلس الحكم ) لأنه يحتاج فيه إلى حكم الحاكم بمقتضى الرجوع ، فلا بد من مجلس القاضي كما في الشهادة ، ولأنه توبة والشهادة جناية ، فيشترط استواؤها في الجهر والإخفاء; ولو أقام المشهود عليه البينة أنهما رجعا لم تقبل ولا يحلفان ، فإن قال رجعت عند قاض آخر كان هذا رجوعا مبتدأ عند القاضي .

قال : ( فإن رجعوا قبل الحكم بها سقطت ) لأن الحق لا يثبت إلا بالقضاء ، والقضاء بالشهادة وقد تناقضت .

قال : ( وبعده لم يفسخ الحكم ) لأن الشهادة والرجوع عنها سواء في احتمال الصدق والكذب ، إلا أن الأول ترجح بالقضاء فلا ينقض بالثاني .

قال : ( وضمنوا ما أتلفوه بشهادتهم ) لإقرارهما بسبب الضمان على ما بيناه ، فلو شهد أنه قضاه ديته أو أبرأه منه فقضى به ثم رجعا ضمنا لما مر .

قال : ( فإن شهدا بمال فقضى به وأخذه المدعي ثم رجعا ضمناه للمشهود عليه ) لوجود التسبب على وجه التعدي ، وأنه موجب للضمان كحافر البئر ، ولا وجه إلى تضمين المدعي ؛ لأن الحكم ماض ، ولا يضمن القاضي لما بينا ، ولأن في تضمينه منع الناس عن تقلد القضاء خوفا من [ ص: 432 ] الضمان ، ولو شهدا بعين ثم رجعا ضمنا قيمتها سواء أقبضها المشهود له ، أو لم يقبضها لأنه ملكها بمجرد القضاء ، والدين لا يملكه إلا بالقبض .

قال : ( فإن رجع أحدهما ضمن النصف ، والعبرة في الرجوع لمن بقي لا لمن رجع ) ألا يرى أنه إذا بقي من يقوم به الحق لا اعتبار برجوع من رجع ؟ وقد بقي هنا من يقوم بشهادته نصف الحق ، فيضمن الراجع النصف لأنه أتلفه .

( فلو كانوا ثلاثة فرجع واحد لا شيء عليه ) لبقاء من يبقى بشهادته جميع الحق .

( فإن رجع آخر ضمنا النصف ) لما مر .

قال : ( وإن شهد رجل وامرأتان فرجعت واحدة فعليها ربع المال ، وإن رجعتا ضمنتا نصفه ، ولو شهد رجل وعشر نسوة ثم رجعوا ، فعلى الرجل السدس وعليهن خمسة أسداسه ) وقالا : عليه النصف وعليهن النصف ، لأن النساء وإن كثرن فهن مقام رجل واحد ، لأنه لا يثبت بهن إلا نصف الحق . ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - : أن كل امرأتين مقام رجل قال - صلى الله عليه وسلم - : " عدلت شهادة كل اثنتين بشهادة رجل واحد " فصار كشهادة ستة من الرجال ، ولو رجع النساء كلهن فعليهن النصف كما قلنا ، ولو رجع ثمان لا شيء عليهن ، ولو رجعت أخرى فعلى الراجعات الربع لما مر ، ولو رجع الرجل وثماني نسوة فعلى الرجل نصف الحق ولا شيء على الراجعات ؛ لأنه بقي منهن من يقوم به نصف الحق .

( ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا فالضمان على الرجلين خاصة ) لأن الحق ثبت بهما دونهما .

قال : ( شهدا بنكاح بأقل من مهر المثل ثم رجعا لا ضمان عليهما ) لأن المنافع غير متقومة [ ص: 433 ] إلا بالتمليك بالعقد ، والضمان يستدعي المماثلة ، وإنما يتقوم بالتمليك إظهارا لخطر المحل . ( وإن كان بأكثر من مهر المثل ضمنا الزيادة للزوج ) لأنهما أتلفاها بغير عوض .

قال : ( وفي الطلاق إن كان قبل الدخول ضمنا نصف المهر ) لأنهما أكدا ما كان على شرف السقوط .

( وإن كان بعده لم يضمنا ) لأن المهر تأكد بالدخول فلم يتلفا شيئا . شهدا بالطلاق وآخران أنه دخل بها ثم رجعوا ضمن شهود الدخول ثلاثة أرباع المهر وشهود الطلاق ربعه ، لأن الفريقين اتفقا على النصف ، فيكون على كل فريق ربعه ، وانفرد شهود الدخول بالنصف فينفردون بضمانه ، وفي الشهادة بالعتق يضمنان القيمة لأنهما أتلفا مالية العبد من غير عوض ، والولاء به ، لأن العتق لم يتحول إليهما فلا يتحول الولاء ، ولو شهدا بالبيع ثم رجعا ضمنا القيمة لا الثمن ، لأنهما أتلفا المبيع لا الثمن; ولو شهدا ببيع عبد ثم رجعا بعد القضاء وقيمة العبد أكثر من الثمن ضمنا الفضل ، ولو شهدا بالتدبير ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير .

قال : ( وإذا رجع شهود القصاص ضمنوا الدية ) ولا قصاص عليهم لأنه لم يوجد القتل مباشرة ، والتسبيب لا يوجب القصاص كحافر البئر ، بخلاف الإكراه لأن المكره فيه مضطر إلى ذلك فإنه يؤثر حياته ، ولا كذلك الولي فإنه مختار والاختيار يقطع التسبيب ، وإذا امتنع القصاص وجبت الدية ، لأن القتل بغير حق لا يخلو عن أحد الموجبين ، ولو شهدا بالعفو عن القصاص ثم رجعا لم يضمنا ؛ لأن القصاص ليس بمال .

قال : ( وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا ) لأن التلف أضيف إليهم فإن الذين ألجئوا القاضي إلى الحكم .

( وإن رجع شهود الأصل وقالوا : لم نشهد شهود الفرع لم يضمنوا ) لأنهم أنكروا التسبيب وهو الإشهاد ، والقضاء ماض ؛ لأنه خبر محتمل; ولو قالوا : أشهدناهم وغلطنا فلا ضمان عليهم . وقال محمد : يضمنون لأن الفروع نقلوا شهادتهم فصاروا كأنهم حضروا . ولهما أن القضاء وقع بما عاينه من الحجة وهي شهادة الفروع فيضاف إليهم ، ولو رجع الأصول والفروع جميعا فالضمان على الفروع عندهما لما بينا . وعند محمد إن شاء ضمن الأصول لما مر ، وإن شاء ضمن الفروع [ ص: 434 ] لما مر لهما ، والجهتان متغايرتان فلا يجمع بينهما .

قال : ( ولا ضمان على شهود الإحصان ) لأن الإحصان شرط محض ، والحكم يضاف إلى العلة لا إلى الشرط .

قال : ( وإن رجع شهود اليمين وشهود الشرط فالضمان على شهود اليمين ) لأن السبب هو اليمين ، والتلف مضاف إلى من أثبت السبب دون الشرط ، فإن القاضي يقضي بشهادة شهود اليمين دون شهود الشرط . وصورة المسألة : شهد شاهدان أنه علق عتق عبده أو طلاق امرأته بدخول الدار ، وشهد شاهدان بالدخول والطلاق قبل الدخولتجب قيمة العبد ونصف المهر على شهود التعليق لأنه السبب .

قال : ( وإذا رجع المزكون ضمنوا ) وقالا : لا يضمنون لأنهم أثنوا على الشهود خيرا فصاروا كشهود الإحصان .

وله أن القاضي إنما يعمل بالشهادة بالتزكية ، فهي علة العلة فيضاف الحكم إليها ، بخلاف شهود الإحصان لأنه شرط محض ، والله أعلم بالصواب .




الخدمات العلمية