الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                34 له دعوى في رقبة الدار وشفعة فيها ; يقول : هذه الدار داري ، وأنا أدعيها فإن وصلت إلي ، وإلا فأنا على شفعتي فيها [ ص: 191 ] استولى الشفيع عليها بلا قضاء ، فإن اعتمد قول عالم لا يكون ظالما ، وإلا كان ظالما .

                وفي جنايات الملتقط وعن أبي حنيفة رحمه الله ، 36 - أشياء على عدد الرءوس [ ص: 192 ] العقل [ ص: 193 ] والشفعة 39 - وأجرة القسام 40 - والطريق إذا اختلفوا فيه ( انتهى )

                التالي السابق


                ( 34 ) قوله : له دعوى في رقبة الدار وشفعة فيها إلخ .

                المسألة في الفتاوى الظهيرية [ ص: 191 ] وعبارتها : ولو بيعت دار بجنب دار رجل هو شفيعها ، وهو يزعم أن رقبة الدار المبيعة له ، وهو يخاف أنه إذا ادعى رقبتها تبطل شفعته ، وإن ادعى الشفعة فيها تبطل دعواه في الرقبة ، فيقول : هذه الدار داري ، وأنا أدعي رقبتها فإن وصلت إليها ، وإلا أنا على شفعتي ; لأن الجملة كلام واحد فلا يتحقق السكوت عن طلب الشفعة ، وإن أدركت الصغيرة ، وثبت لها خيار البلوغ وثبت لها شفعته فطلبت الشفعة واختارت نفسها بأن قالت طلبت الشفعة واخترت نفسي ، أو قالت بالعكس .

                يجوز الأول منهما ، ويبطل الثاني ; لأنها قادرة على القران بينهما بأن تقول : أطلبهما جميعا الشفعة والخيار فإذا فرقت صح الأول وبطل الثاني .

                ( 35 ) قوله : استولى الشفيع عليها بلا قضاء إلخ .

                قال بعض الفضلاء : يؤخذ من هذا وجوب التعزير وعدمه فإذا استولى على الدار المشفوعة بلا حكم لكن معتمدا قول عالم لا يلزمه التعزير لعدم الظلم .

                ثم قال : ولي في هذه المسألة نظر ; لأنهم قالوا : لا يثبت الملك للشفيع إلا بعد الأخذ بالتراضي أو بعد قضاء القاضي .

                وقد صرحوا بأنه قبل وجود أحدهما لا يثبت له شيء من أحكام الملك حتى لا تورث عنه إذا مات في هذه الحالة وتبطل شفعته إذا باع داره التي يشفع بها ، ولو بيعت دار بجنبها في هذه الحالة لا يستحقها بالشفعة لعدم ملكه فيها ، وإذا كان لا يثبت إلا بأحدهما فاستيلاؤه عليها بمجرد قول العالم استيلاء على غير ملكه فيكون ظلما كما لا يخفى .

                وإذا اعتبر مجرد استقرارها فهو موجود بالإشهاد كما صرحوا به فلا يتوقف ذلك على قول العالم ، ولا على قول القاضي ، ولا على الأخذ بالرضاء كما هو الظاهر فليتأمل .

                ( 36 ) قوله : أشياء على عدد الرءوس .

                أي تقسم على عدد الرءوس لا على قدر الأنصباء وقد نظمتها في أبيات وزدت على ما في الملتقطات ثلاثة فقلت .


                إن التقاسم بالرءوس يكون في سبع لهن على عقود نظامي [ ص: 192 ] في ساحة مع شفعة ونوائب
                أن من هؤلاء أجرة القسام وكذاك ما يرمى من السفن التي
                يخشى بها غرق وطرق كرام وكذاك عاقله وقد تم الذي
                حررته لأفاضل الأعلام

                ( 37 ) قوله : العقل .

                يعني الدية قال الغجدواني في شرح تلخيص الجامع للخلاطي ما نصه : ترك الغوث والحفظ تسبب في النفس دون العضو والسقط والمال تعظيما لأمر الدم وأقوى الملك بالمكنة ، فإذا وجد حر أو عبد قتيلا في مكان مملوك قسمت القيمة أو الدية على عدد الملاك دون قدر الأملاك إذ العلة ترجح بالقوة لا بالكثرة كما في الشفعة فيكون على عاقلة كل واحد قسط ثلاث سنين من يوم الحكم ، ثم المكنة التي بالنسبة حال كون الانتساب خاصا ، فإذا وجد قتيل في محلة أو مسجد قسمت الدية على من نسبت إليه المحلة أو المسجد ثلاث قبائل بأن كانت إحدى القبائل مثلا بكر بن وائل وهم عشرون رجلا ، والقبيلة الأخرى قيس وهم ثلاثون رجلا والقبيلة الأخرى تميم وهم أربعون رجلا فوجد في مسجدهم أو محلتهم قتيل كانت الدية عليهم أثلاثا بعدد القبائل على كل قبيلة ثلث الدية دون عدد الرءوس عكس الأول فإنه ثمة تقسم على عدد الرءوس دون القبائل ، وإنما قسمت هنا بعدد القبائل دون الرءوس وفاء بمكنة التدبير يعني أن هذا الضمان بسبب ترك الغوث والحفظ كما ذكرنا ، والحفظ يكون بحكم التدبير والقيام بمصالح الموضع ، وكل واحد يوازي الآخر في ذلك إذا كانوا في الاحتفاظ سواء من غير اعتبار قلتهم أو كثرتهم ، ولذا لو كان من إحدى القبائل واحد ليس معه غيره ، وأنه احتفظ معهم المسجد أو المحلة كانت ثلث الدية على عاقلته ، والثلثان على عاقلة القبيلتين ( انتهى ) .

                ومنه يستفاد تقييد ما أطلقه المصنف بما إذا كان وجوب الدية باعتبار مكنة الملك فليحفظ ، فإن أكثر الكتب خالية عنه .

                قلت : وعلى كون العقل بمعنى الدية استحسن الفاضل الدماميني في شرح المغني قول الشيخ جمال الدين بن نباتة .


                وأصبو إلى السحر الذي في جفونه وإن كنت أدري أنه جالب قتلي
                وأرضى بأن أمضي قتيلا كما مضى بلا قود مجنون ليلى ولا عقل

                [ ص: 193 ] قوله : الشفعة .

                يعني : الشفعة تثبت عندنا على عدد رءوس الشفعاء وعند الشافعي على قدر سهامهم ، مثلا إذا كان دار بين ثلاثة فباع صاحب النصف نصيبه قضى بالشفعة بين الآخرين أثلاثا عنده على قدر ملكهما ونصفين عندنا على قدر رءوسهما ، وإن باع صاحب الثلث نصيبه يكون الشفعة بينهما أرباعا عنده وإن باع صاحب السدس نصيبه يكون الشفعة بينهما أخماسا لصاحب الثلث خمساها ، ولصاحب النصف ثلاثة الأخماس كذا في المصفى له أن الشفعة من مرافق الملك فتثبت بقدره ، ولنا أن سببه اتصال وقليل الملك ككثيره ; ولهذا لو انفرد صاحب القليل فله كل الشفعة بخلاف الربح والكسب ; لأنهما من نتائج الملك فيكون بقدره .

                ثم اعلم أن كلا من الشفعاء قبل القضاء بالشفعة لهم مستحق لجميع الدار المشفوعة ، والقسمة بينهم للمزاحمة فينبغي أن يطالب كذلك حتى لو طلب واحد منهم بعضها بطلت شفعته عند محمد كما سيجيء كما في شرح المجمع الملكي .

                ( 39 ) قوله : وأجرة القسام يعني تكون على عدد الرءوس وهذا عند الإمام رضي الله عنه ، عندهما على عدد الأنصباء .

                لهما أن هذه مؤنة لحقتهم بسبب الملك فيتقدر بقدر الملك .

                وله أن عمل القسام لصاحب القليل والكثير واقع بصفة واحدة هي تمييز الأنصباء وصاحب القليل والكثير في ذلك سواء ، فإذا استويا كان الأجر عليهما على السواء ; كذا في الولوالجية من كتاب القسمة .

                وفي خزانة الأكمل : لو استؤجر على قسمة طعام بينهما مكايلة فالأجر بالكيل ، والنقل على قدر الأنصباء ( انتهى ) .

                ومنه يستفاد تقييد كلام المصنف بقيمة النقدين ، وفيها أهل بلدة استأجروا رجلا ليذهب إلى السلطان فيرفع أمرهم ووقتوا له وقتا ، فالأجرة على أهل البلدة على قدر منافعهم في ذلك .

                ( 40 ) قوله : والطريق إذا اختلفوا فيه .

                أقول : لم يرد بالطريق هنا طريقا عاما ; لأنه غير مملوك لأحد ، وإنما أراد به ما يكون في سكة غير نافذة والطريق مما يذكر [ ص: 194 ] ويؤنث كما في منظومة المؤنثات السماعية لابن الحاجب .

                واعلم أن مثل الطريق ساحة الدار إذا اختلفوا فيها تكون بينهم على الرءوس فإن ذا بيت من دار كذي بيوت منها لاستوائهم في استعمالها ، وهو المرور فيها والتوضؤ وكسر الحطب ووضع الأمتعة ، ونحو ذلك فصارت نظير الطريق بخلاف الشرب إذا تنازعا فيه فإنه يقسم بينهما بقدر أراضيهما ; لأن الشرب محتاج إليه لأجل سقي الأرض ، فعند كثرة الأراضي تكثر الحاجة إليه كذا في الدرر والغرر .

                هذا ، وقد بقي مسائل تكون القسمة فيها على عدد الرءوس زيادة على ما ذكرناه في نظمنا المتقدم ، منها ما في فتاوى شيخ مشايخنا الشمس الحانوتي ، وهي أن الضيافة التي جرت العادة بها في الأوقاف تقسم على عدد الرءوس لا على قدر الوظائف ( انتهى ) .

                ومنها ما أفتى به شيخنا تبعا لمشايخه ، وهي الحلوان التي جرت به العادة في الأوقاف يقسم على عدد الرءوس لا على قدر الوظائف ولا يختص به الناظر كما هو واقع الآن بل هو كواحد من المستحقين ، ومنها ما ذكره العلامة القهستاني في شرح النقاية بحيث قال : لو قتل صيد الحرم حلالان فعلى كل نصف قيمته ، وينبغي أن يقسم على عدد الرءوس إذا قتله جماعة ( انتهى ) .

                وقد بقي منها شيء لا يحضرني الآن




                الخدمات العلمية