الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  6347 5 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان ، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك ، فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته ، فقال : انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفأ ، فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد ؟ قال : نعم ، فأذن لهم ثم قال : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم ، قال عباس : يا أمير المؤمنين ، اقض بيني وبين هذا ، قال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ، فقال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل على علي وعباس ، فقال : هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك ، قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر ، إن الله قد كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، فقال عز وجل : ما أفاء الله على رسوله إلى قوله : قدير ، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكموه وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله ، هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم ، فتوفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفى الله أبا بكر ، فقلت : أنا ولي ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع ، جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت : إن شئتما دفعتها إليكما بذلك فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير [ ص: 234 ] ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما فادفعاها إلي فأنا أكفيكماها .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله : " لا نورث ما تركنا صدقة " ، و " يحيى بن بكير " هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الباء الموحدة مصغر بكر المصري ، يروي عن ليث بن سعد المصري عن عقيل بضم العين المهملة ، ابن خالد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان بفتح الحاء المهملة والدال المهملة وبالثاء المثلثة إلى آخره .

                                                                                                                                                                                  والحديث مضى في باب فرض الخمس بأطول منه ، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق بن محمد الفروي ، حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، ومحمد بن جبير ذكر لي من حديثه ذلك إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك .

                                                                                                                                                                                  قوله : " من حديثه " أي من حديث مالك بن أوس ، قوله : " يرفأ " بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء وبالفاء مهموز وغير مهموز أو هو علم حاجب عمر رضي الله عنه .

                                                                                                                                                                                  قوله : " هل لك في عثمان ؟ " يعني ابن عفان ، و" عبد الرحمن " يعني ابن عوف ، و" الزبير " يعني ابن العوام ، و" سعد " يعني ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم ، أراد : هل لك رغبة في دخولهم عليك ؟

                                                                                                                                                                                  قوله : " أنشدكم الله " بضم الشين أي أسألكم بالله ، قوله : " يريد نفسه وسائر الأنبياء عليهم السلام " ، فلذلك قال : لا نورث بالنون ، قوله : " قال الرهط " أراد به الصحابة المذكورين ، قوله : " ولم يعطه غيره " حيث خصص الفيء كله برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقيل : أي حيث حلل الغنيمة له ولم تحل لسائر الأنبياء عليهم السلام .

                                                                                                                                                                                  قوله : " فكانت خالصة " كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة ، قوله : " ما احتازها " بالحاء المهملة وبالزاي أي ما جمعها لنفسه دونكم .

                                                                                                                                                                                  قوله : " ولا استأثر " أي ولا استبد بها وتفرد ، قوله : " لقد أعطاكموه " أي المال ، وفي رواية الكشميهني : لقد أعطاكموها أي الخالصة .

                                                                                                                                                                                  قوله : " وبثها فيكم " أي نشرها وفرقها عليكم ، قوله : " هذا المال " أشار به إلى المقدار من المال الذي يطلبان حصتهما منه ، قوله : " مجعل مال الله " أي الموضع الذي جعل مال الله في جهة مصالح المسلمين ، قوله : " وكلمتكما واحدة " أي متفقان لا نزاع بينكما ، قوله : " بذلك " أي بأن تعملا فيه كما عمل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعمل أبو بكر فيها فدفعتها إليكما بهذا الوجه ، فاليوم جئتما وتسألان مني قضاء غير ذلك .

                                                                                                                                                                                  وقال الخطابي : هذه القضية مشكلة لأنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر رضي الله تعالى عنه على الشريطة ، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما ، وقال الكرماني : الجواب أنه كان شق عليهما الشركة فطلبا أن تقسم بينهما ليستقل كل منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه ، فمنعهما عمر القسمة لئلا يجري عليها اسم الملك لأن القسمة إنما تقع في الأملاك ، وبتطاول الزمان يظن به الملكية ، قوله : " فتلتمسان " أي فتطلبان ، قوله : " فوالله الذي " ، وفي رواية الكشميهني : فوالذي بحذف الجلالة .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية