الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      قال النديم : قرأت بخط عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر : كان الحلاج مشعبذا محتالا ، يتعاطى التصرف ، ويدعي كل علم ، وكان صفرا من ذلك ، وكان يعرف في الكيمياء ، وكان مقداما جسورا على السلاطين ، مرتكبا للعظائم ، يروم إقلاب الدول ، ويدعي عند أصحابه الإلهية ، ويقول بالحلول ، ويظهر التشيع للملوك ، ومذاهب الصوفية للعامة ، وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الإلهية حلت فيه ، تعالى الله وتقدس عما يقول .

                                                                                      وقال ابن باكويه : سمعت أبا الحسن بن أبي توبة يقول : سمعت علي بن [ ص: 319 ] أحمد الحاسب يقول : سمعت والدي يقول : وجهني المعتضد إلى الهند لأمور أتعرفها له ، فكان معي في السفينة رجل يعرف بالحسين بن منصور ، وكان حسن العشرة ، فلما خرجنا من المركب قلت : لم جئت ؟ قال : لأتعلم السحر وأدعو الخلق إلى الله . وكان على سطح كوخ فيه شيخ ، فقال له : هل عندكم من يعرف شيئا من السحر ؟ قال : فأخرج الشيخ كبة من غزل ، وناول طرفها الحسين ، ثم رمى الكبة في الهواء ، فصارت طاقة واحدة ، ثم صعد عليها ونزل ، وقال للحسين : مثل هذا تريد ؟ .

                                                                                      وقال أبو القاسم التنوخي سمعت أحمد بن يوسف الأزرق : حدثني غير واحد من الثقات أن الحلاج كان قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلاد الجبل ، ووافقه على حيلة يعملها ، فسافر ، وأقام عندهم سنين يظهر النسك والعبادة وإقراء القرآن والصوم ، حتى إذا علم أنه قد تمكن أظهر أنه قد عمي ، فكان يقاد إلى المسجد ، ويتعامى شهورا ، ثم أظهر أنه قد زمن ، فكان يحمل إلى المسجد ، حتى مضت سنة على ذلك ، وتقرر في النفوس زمانته وعماه ، فقال لهم بعد ذلك : رأيت في النوم كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لي : إنه يطرق هذا البلد عبد مجاب الدعوة ، تعافى على يده ، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء ، فلعل الله أن أعافى .

                                                                                      فتعلقت النفوس بذلك العبد ، ومضى الأجل الذي بينه وبين الحلاج ، فقدم البلد ، ولبس الصوف ، وعكف في الجامع ، فتنبهوا له ، وأخبروا الأعمى ، فقال : احملوني إليه . فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج قال : يا عبد الله ، إني رأيت مناما . وقصه عليه ، فقال : من أنا ؟ وما محلي ؟ ثم أخذ يدعو له ، ومسح يده عليه ، فقام [ ص: 320 ] [ المتزامن ] صحيحا بصيرا ، فانقلب البلد ، وازدحموا على الحلاج ، فتركهم ، وسافر ، وأقام المعافى شهورا ، ثم قال لهم : إن من حق الله عندي ، ورده جوارحي علي أن أنفرد بالعبادة ، وأن أقيم في الثغر ، وأنا أستودعكم الله . فأعطاه هذا ألف درهم ، وقال : اغز بها عني . وأعطاه هذا مائة دينار ، وقال : اخرج بها في غزوة . وأعطاه هذا مالا ، وهذا مالا حتى اجتمع له ألوف دنانير ودراهم ، فلحق بالحلاج ، وقاسمه عليها .

                                                                                      قال التنوخي : أخبرنا أبي ، قال : من مخاريق الحلاج : أنه كان إذا أراد سفرا ومعه من يتنمس عليه ويهوسه ، قدم قبل ذلك من أصحابه الذين يكشف لهم الأمر ، ثم يمضي إلى الصحراء ، فيدفن فيها كعكا ، وسكرا ، وسويقا ، وفاكهة يابسة ، ويعلم على مواضعها بحجر ، فإذا خرج القوم وتعبوا قال أصحابه : نريد الساعة كذا وكذا . فينفرد ويري أنه يدعو ، ثم يجيء إلى الموضع فيخرج الدفين المطلوب منه . أخبرني بذلك الجم الغفير .

                                                                                      وأخبروني قالوا : ربما خرج إلى بساتين البلد ، فيقدم من يدفن الفالوذج الحار في الرقاق ، والسمك السخن في الرقاق ، فإذا خرج طلب منه الرجل -في الحال- الذي دفنه ، فيخرجه هو .

                                                                                      ابن باكويه : سمعت محمد بن خفيف ، سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول : دخل الحلاج مكة ومعه أربعمائة رجل ، فأخذ كل شيخ من شيوخ الصوفية جماعة ، فلما كان وقت المغرب جئت إليه ، قلت : قم نفطر . فقال : نأكل على رأس أبي قبيس . فصعدنا فلما أكلنا قال الحسين : لم نأكل شيئا حلوا ! قلت : أليس قد أكلنا التمر ؟ فقال أريد شيئا مسته النار . فهام وأخذ [ ص: 321 ] ركوة ، وغاب ساعة ، ثم رجع ومعه جام حلواء ، فوضعه بين أيدينا ، وقال : بسم الله . فأخذ القوم يأكلون وأنا أقول : قد أخذ في الصنعة التي نسبها إليه عمرو بن عثمان ، فأخذت قطعة ، ونزلت الوادي ، ودرت على الحلاويين أريهم تلك الحلواء ، وأسألهم ، حتى قالت لي طباخة : لا يعمل هذا إلا بزبيد ، إلا أنه لا يمكن حمله ، فلا أدري كيف حمل ؟ فرجع رجل من زبيد إلى زبيد ، فتعرف الخبر بزبيد : هل ضاع لأحد من الحلاويين جام علامته كذا وكذا ؟ وإذا به قد حمل من دكان إنسان حلاوي ، فصح عندي أن الرجل مخدوم .

                                                                                      قال أبو علي بن البناء -فيما رواه عنه ابن ناصر بالإجازة- : حرك الحلاج يده يوما ، فنثر على من عنده دراهم . فقال بعضهم : هذه دراهم معروفة ، ولكن أومن بك إذا أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك . فقال : وكيف وهذا لم يصنع ؟ قال : من أحضر من ليس بحاضر صنع ما لم يصنع . فهذه حكاية منقطعة .

                                                                                      وقال التنوخي : أخبرنا أبي : أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن زنجي الكاتب ، عن أبيه ، قال : حضرت مجلس حامد الوزير ، وقد أحضر السمري -صاحب الحلاج - وسأله عن أشياء من أمر الحلاج ، وقال له : حدثني بما شاهدت منه . فقال : إن رأى الوزير أن يعفيني فعل ، فألح عليه ، فقال : أعلم أني إن حدثتك كذبتني ، ولم آمن عقوبة ، فأمنه ، فقال : كنت معه بفارس ، فخرجنا إلى إصطخر في الشتاء ، فاشتهيت عليه [ ص: 322 ] خيارا ، فقال لي : في مثل هذا المكان والزمان ؟ قلت : هو شيء عرض لي ، فلما كان بعد ساعة قال : أنت على شهوتك ؟ قلت : نعم ، فسرنا إلى جبل ثلج ، فأدخل يده فيه ، وأخرج إلي خيارة خضراء ، فأكلتها . فقال حامد : كذبت يا ابن مائة ألف زانية ، أوجعوا فكه . فأسرع إليه الغلمان ، وهو يصيح : أليس من هذا خفنا ؟ وأخرج ، فأقبل حامد الوزير يتحدث عن قوم من أصحاب النيرنجات أنهم كانوا يغدون بإخراج التين وما يجري مجراه من الفواكه ، فإذا حصل في يد الإنسان وأراد أن يأكله صار بعرا .

                                                                                      قلت : صدق حامد ، هذا هو شغل أرباب السحر والسيمياء ، ولكن قد يقوى فعلهم بحيث يأكل الرجل البعر ولا يشعر بطعمه .

                                                                                      قال ابن باكويه : حدثنا أبو عبد الله بن مفلح ، حدثنا طاهر بن عبد الله التستري ، قال : تعجبت من أمر الحلاج ، فلم أزل أتتبع وأطلب الحيل ، وأتعلم النارنجيات لأقف على ما هو عليه ، فدخلت عليه يوما من الأيام ، وسلمت ، وجلست ساعة ، فقال لي : يا طاهر ، لا تتعن ; فإن الذي تراه وتسمعه من فعل الأشخاص لا من فعلي ، لا تظن أنه كرامة أو شعوذة . فعل الأشخاص : يعني به الجن .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية