الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 3583 ) مسألة ; قال : ( فمتى أدى رجع عليه ، سواء قال له : اضمن عني ، أو لم يقل ) . يعني إذا أدى الدين محتسبا بالرجوع على المضمون عنه ، فأما إن قضى الدين متبرعا به ، غير ناو للرجوع به ، فلا يرجع بشيء ; لأنه يتطوع بذلك ، أشبه الصدقة . وسواء ضمن بأمره أو بغير أمره ، فأما إذا أداه بنية الرجوع به ، لم يخل من أربعة أحوال : أحدها ، أن يضمن بأمر المضمون عنه ، ويؤدي بأمره ، فإنه يرجع عليه ، سواء قال له : اضمن عني . أو : أد عني . أو أطلق .

وبهذا قال مالك ، والشافعي وأبو يوسف . وقال أبو حنيفة ومحمد : إن قال : اضمن عني ، وانقد عني . رجع عليه . وإن قال : انقد هذا . لم يرجع ، إلا أن يكون مخالطا له ، يستقرض منه ، ويودع عنده ; لأن قوله : اضمن عني ، وانقد عني . إقرار منه بالحق ، وإذا أطلق ذلك صار كأنه قال : هب لهذا ، أو تطوع عليه . وإذا كان مخالطا له رجع استحسانا ; لأنه قد يأمر مخالطه بالنقد عنه . ولنا ، أنه ضمن ودفع بأمره ، فأشبه إذا كان مخالطا له ، أو قال : اضمن عني .

وما ذكراه ليس بصحيح ; لأنه إذا أمره بالضمان لا يكون إلا لما هو عليه ، وأمره بالنقد بعد ذلك ينصرف إلى ما ضمنه ، بدليل المخالط له ، فيجب عليه أداء ما أدى عنه ، كما لو صرح به . الحال الثاني ، ضمن بأمره ، وقضى بغير أمره ، فله الرجوع أيضا . وبه قال مالك والشافعي في أحد الوجوه عنه .

والوجه الثاني : لا يرجع به ; لأنه دفع بغير أمره ، أشبه ما لو تبرع به . الثالث ، أنه إن تعذر الرجوع على المضمون عنه ، فدفع ما عليه ، رجع ، وإلا فلا ; لأنه تبرع بالدفع . ولنا ، أنه إذا أذن في الضمان ، تضمن ذلك إذنه في الأداء ; لأن الضمان يوجب عليه الأداء ، فيرجع عليه ، كما لو أذن في الأداء صريحا . الحال الثالث ، ضمن بغير أمره ، وقضى بأمره ، فله الرجوع أيضا . وظاهر مذهب

الشافعي أنه لا يرجع ; لأن أمره بالقضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه . ولنا : أنه أدى دينه بأمره ، فرجع عليه ، كما لو لم يكن ضامنا ، أو كما لو ضمن بأمره . وقولهم : إن إذنه في القضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه .

قلنا : الواجب بضمانه إنما هو أداء دينه ، وليس هو شيئا آخر ، فمتى أداه عنه بإذنه لزمه إعطاؤه بدله . الحال الرابع ، ضمن بغير أمره ، وقضى بغير أمره ، ففيه روايتان ; إحداهما ، يرجع بما أدى . وهو قول مالك ، وعبد الله بن الحسن وإسحاق . والثانية ، لا يرجع بشيء .

وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وابن المنذر ، بدليل حديث علي وأبي قتادة ، فإنهما لو كانا يستحقان الرجوع على الميت ، صار الدين لهما ، فكانت [ ص: 354 ] ذمة الميت مشغولة بدينهما ، كاشتغالها بدين المضمون عنه ، ولم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه تبرع بذلك ، أشبه ما لو علف دوابه وأطعم عبيده بغير أمره . ووجه الأولى ، أنه قضاء مبرئ من دين واجب ، فكان من ضمان من هو عليه ، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه .

فأما علي وأبو قتادة ، فإنهما تبرعا بالقضاء والضمان ، فإنهما قضيا دينه قصدا لتبرئة ذمته ، ليصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمهما بأنه لم يترك وفاء ، والمتبرع لا يرجع بشيء ، وإنما الخلاف في المحتسب بالرجوع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث