الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 126 ] المسألة الثانية

          اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته ، واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت .

          وذلك كما لو قال الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة ، ثم قال قبل يوم عرفة لا تحجوا .

          فذهبت الأشاعرة ، وأكثر أصحاب الشافعي ، وأكثر الفقهاء إلى جوازه ، ومنع من ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي ، وبعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل .

          والمختار جوازه ، وقد احتج الأصحاب بحجج ضعيفة .

          الحجة الأولى : قوله تعالى ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) دل على أنه يمحو كل ما يشاء محوه على كل وجه ، فيدخل فيه محو العبادة قبل دخول وقتها ، ولا دلالة فيه ، لأن الآية إنما تدل على محو كل ما يشاء محوه ، وليس فيها ما يدل على أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها ، مع كون ذلك ممتنعا عند الخصم ، وإن بين إمكان مشيئة ذلك بغير الآية ، ففيه ترك الاستدلال بالآية .

          كيف وإنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه ، وهو محو الكتابة مما يكتبه الملكان من المباحات ، وتبقية المعاصي والطاعات .

          ومنهم من احتج بقصة إبراهيم - عليه السلام - وأمر الله له بذبح ولده ونسخه عنه بذبح الفداء ، ودليل أمره بذلك أنه قد روي أنه تعالى قال لإبراهيم : ( اذبح ولدك ) وروي ( واحدك ) والقرآن دل عليه بقوله ( يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ) وأنه نسخ بذبح الفداء بقوله : ( وفديناه بذبح عظيم ) ، وهذا أيضا مما يضعف الاحتجاج به جدا .

          غير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها والإشارة إلى الانفصال عنها تكثيرا للفائدة [ ص: 127 ] ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعيف في الآية المذكورة .

          [1] أما الأسئلة فأولها : أنهم قالوا : إن ذلك إنما كان مناما لا أصل له ، فلا يثبت به الأمر ، ولهذا قال إني أرى في المنام .

          سلمنا أن منامه أصل يعتمد عليه ، ولكن لا نسلم أنه كان قد أمر .

          وقول ولده افعل ما تؤمر ، ليس فيه دلالة على أنه كان قد أمر ، ولهذا علقه على المستقبل .

          ومعناه افعل ما يتحقق من الأمر في المستقبل .

          سلمنا أنه كان مأمورا .

          لكن لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة بل بالعزم على الذبح امتحانا له بالصبر على العزم ، وذلك بلاء عظيم ، والفداء إنما كان عما يتوقعه من الأمر بالذبح لا عن نفس وقوع الأمر بالذبح ، أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين ، فاستشعر إبراهيم أنه مأمور بالذبح ولذلك قال تعالى : ( قد صدقت الرؤيا ) سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة إلا أنه قد وجد منه ، فإنه قد روي أنه كان كلما قطع جزءا عاد ملتحما إلى آخر الذبح ، ولهذا قال الله تعالى : ( قد صدقت الرؤيا ) وإذا كان ما أمر به من الذبح قد وقع ، فالفداء لا يكون نسخا .

          سلمنا أن الذبح حقيقة لم يوجد ، لكن قد روي أن الله تعالى منعه من الذبح بأن جعل على عنق ولده صفيحة من نحاس أو حديد مانعة من الذبح لا أن ذلك كان بطريق النسخ .

          والجواب عن الأول : أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي معمول به ، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام ، ولهذا قال - عليه السلام - : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " [2] فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة وعشرين سنة من نبوته ، [ ص: 128 ] كذلك ، ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : " ما احتلم نبي قط [3] يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لأهل الاحتلام .

          كيف وإنه لو كان ذلك خيالا لا وحيا لما جاز لإبراهيم العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له ، ولما سماه بلاء مبينا ، ولما احتاج إلى الفداء .

          وعن الثاني أن قوله ( افعل ما تؤمر ) وإن لم يكن ظاهرا في الماضي ، لكنه قد يرد ويراد به الماضي .

          ولهذا فإنه لو قال القائل : " قد أمرني السلطان بكذا " فإنه يصح أن يقال له : " افعل ما تؤمر " أي ما أمرت به ، وأنت مأمور .

          ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد إلى الصحراء وأخذ آلات الذبح وترويع الولد ، فإن ذلك كله مما يحرم من غير أمر ولا إذن في ذلك .

          وعن الثالث : أن حمل الأمر على العزم أو على مقدمات الذبح على خلاف قوله : ( إني أرى في المنام أني أذبحك ) ثم لو كان مأمورا بالعزم على الذبح ومقدمات الذبح لا غير ، لما سماه بلاء مبينا ، ولما احتاج إلى الفداء لكون المأمور به مما وقع ، ولما قال الذبيح : ( ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه ، وقوله : ( قد صدقت الرؤيا ) معناه أنك عملت في المقدمات عمل مصدق للرؤيا بقلبه .

          لكن لقائل أن يقول : إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين مع إبهام عاقبة الأمر عليه وعلى ولده ، فإنه يظهر من ذلك لهما أن عاقبة الأمر إنما هي الذبح ، وذلك عين البلاء ، وبه يتحقق قول الذبيح : ( ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) وأما تسمية الكبش فداء فإنما كان عن الأمر المتوقع لا عن الأمر الواقع غير أن هذا مما لا يستقيم على أصل أبي الحسين البصري [4] لما فيه من توريط المكلف في الجهل ، حيث أوجب عليه ما يظهر منه الأمر بالذبح ولا أمر .

          [ ص: 129 ] وعن الرابع : أنه لو كان قد أتى بما أمر به من الذبح لما احتاج إلى الفداء ولا اشتهر ذلك وظهر ، لأنه من أكبر الآيات الباهرات ، وحيث لم ينقله سوى بعض الخصوم دل على ضعفه .

          وعن الخامس : أن ذلك من المعتزلة لا يصح لأنهم لا يرون التكليف بما لا يطاق .

          وهذا تكليف بما لا يطاق ، كيف وإنه لو كان كما ذكروه لنقل أيضا واشتهر لكونه من المعجزات العظيمة .

          هذا ما في هذه الأسئلة والأجوبة .

          وأما وجه الضعف في الاحتجاج بقصة إبراهيم فمن جهة أن لقائل أن يقول : وإن سلمنا أنه نسخ عنه الأمر بالذبح لكن لا نسلم أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال .

          بل إنما كان ذلك بعد التمكن من الامتثال ، والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده .

          ولا سبيل إلى بيان أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال إلا بعد بيان أن مطلق الأمر يقتضي الوجوب على الفور ، أو أن وقت الأمر كان مضيقا لا يجوز التأخير عنه للنبي - عليه السلام - وأن النبي - عليه السلام - لا يجوز عليه صغائر المعاصي ، والكل ممنوع على ما عرف .

          الحجة الثانية : أن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل فعلها .

          وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح قريشا يوم الحديبية على رد من هاجر إليه ، ثم نسخ ذلك قبل الرد بقوله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) .

          وأيضا ، فإن الإجماع من الخصوم واقع على أن الله تعالى لو أمرنا بالمواصلة في الصوم سنة ، جاز أن ينسخه عنا بعد شهر منها ، وذلك نسخ للصوم فيما بقي من السنة قبل حضور وقته .

          وأيضا ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أحلت لي مكة ساعة من نهار " ومع ذلك منع من القتال فيها ، وهو نسخ قبل وقت الفعل ، وهذه الحجج أيضا ضعيفة .

          أما الأولى : فلأن لقائل أن يقول : لا نسلم أن نسخ تقديم الصدقة كان قبل التمكن من الوقت ، ويدل عليه أمران :

          الأول : عتاب الله لهم بقوله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم ) الآية ، ولو لم يكن وقت الفعل قد حضر لما حسن ذلك .

          [ ص: 130 ] الثاني : أن عليا - رضي الله عنه - ناجى بعد تقديم الصدقة [5] وذلك يدل على حضور وقت الفعل .

          وأما الثانية : فلأنه لا يمتنع أن يكون ذلك بعد مضي وقت تمكن المهاجرة فيه إليه مع ردهن ، ولا دليل على وقوع نسخ ذلك قبل دخول وقت الفعل فلا يكون حجة .

          وأما الثالثة : فلأن النسخ ورد على بعض ما تناوله اللفظ ، فكان بيانا أن مراده من اللفظ إنما هو بعض السنة ، ويكون النهي متناولا لغير ما تناوله الأمر ، وذلك غير ممتنع ، وهذا بخلاف ما إذا نسخ قبل دخول شيء من الوقت ، لأن النهي يكون متناولا لغير ما تناوله الأمر ، ولا يلزم من جواز ذلك ثم جوازه هاهنا .

          وأما الرابعة : فلأن إباحة القتال في تلك الساعة لا يقتضي وقوع القتال ولا بد ، وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون النهي عن القتال بعد مضي تلك الساعة ، ولا دليل يدل على وقوع النسخ قبل دخول الوقت .

          كيف وأنه لا دلالة في قوله : " أحلت لي مكة ساعة " على إباحة القتال بل لعله أراد بذلك إباحة قتل أناس معينين كابن خطل وغيره ، فالنهي عن القتال لا يكون نسخا لإباحة القتال .

          والأقرب في ذلك حجتان :

          الحجة الأولى : التمسك بقصة الإسراء ، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى فرض ليلة الإسراء على نبيه وعلى أمته خمسين صلاة ، فأشار عليه موسى بالرجوع ، وقال له : " أمتك ضعفاء لا يطيقون ذلك فاستنقص الله ينقصك " وأنه قبل ما أشار عليه ، وسأل الله في ذلك فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات ، وذلك نسخ لحكم الفعل قبل دخول وقته .

          الحجة الثانية : أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد ، ويمنعه منه بمانع عائق له عنه قبل الغد ، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع .

          وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ إذ الفعل لا يفرق بين الحالتين ، وهو إلزام ملزم .

          [ ص: 131 ] فإن قيل : أما قصة الإسراء فهي خبر واحد فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة به ، وإن كان حجة إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن ، وقبل تمكن المكلف من العلم به لنسخه قبل الإنزال ، وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على الأدواء والاعتقاد لوجوبه ولم يقولوا به .

          وأما الحجة الثانية : فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ، ويمنعه منه قبل الغد لأنه لا يخلو .

          إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل أو بشرط زوال المنع .

          فإن كان الأول : فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق ، وهو محال .

          وإن كان الثاني فالأمر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الأمور على ما سبق تقريره في الأوامر ، وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في الغد ، فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل ، لأن ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه من علم منعه وإذا لم يجز في المنع ، فكذلك في النسخ .

          ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه ، وبيانه من وجوه :

          الأول : أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته ، فالأمر والنهي قد تواردا على شيء واحد من جهة واحدة في وقت واحد ، وهو محال .

          وذلك لأن الفعل في نفسه في ذلك الوقت ، إما أن يكون حسنا أو قبيحا .

          وعند ذلك ، فلا يخلو الباري تعالى عند الأمر بالفعل ، إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح ، وكذلك في حالة النهي أو لا يكون عالما به أصلا أو هو عالم به في حالة النهي دون حالة الأمر أو في حالة الأمر دون حالة النهي :

          فإن كان الأول : فإن كان الفعل حسنا فقد نهى عن الحسن مع علمه به ، وإن كان قبيحا فقد أمر بالقبيح مع علمه به ، وهو قبيح ، وإن كان الثاني فهو محال لما يلزمه من الجهل في حق الله تعالى ، وكذلك إن كان الثالث أو الرابع .

          كيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الأمر فهو عين البداء ، والبداء على الله محال .

          [ ص: 132 ] الوجه الثاني : أنه إذا أمر بالفعل في وقت معين ، ثم نهى عنه فقد بان أنه لم يرد إيقاعه ، ويكون قد أمر بما لم يرده ، ولو جاز ذلك لما بقي لنا وثوق بقول من أقوال الشارع لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضد ما هو دال على إرادته وذلك محال .

          الثالث : أن ذلك مما يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا منهيا ، والأمر والنهي عندكم كلام الله وكلامه صفة واحدة ، فيكون الكلام الواحد أمرا نهيا بشيء واحد في وقت واحد ، وذلك محال .

          والجواب قولهم في قصة الإسراء إنها خبر واحد .

          قلنا : والمسألة عندنا من مسائل الاجتهاد ، ولذلك لا يكفر المخالف فيها ولا يبدع .

          قولهم : إنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به .

          قلنا : فقد نسخ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد علمه ، وإن سلمنا أنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به ، ولكن لم قالوا بامتناعه .

          قولهم : إنه لا يتعلق به فائدة الثواب باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل ، فهو مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى ، وهو ممنوع على ما عرف من أصلنا .

          قولهم على الحجة الثانية : إنا لا نسلم الأمر مع المنع .

          قلنا : قد سبق تقريره في الأوامر .

          قولهم إن أراد منه الفعل فهو تكليف بما لا يطاق .

          قلنا : وإن كان كذلك ، فهو جائز عندنا على ما تقرر قبل .

          قولهم : وإن لم يكن مريدا له ، فهو أمر بشرط عدم المنع من العالم بعواقب الأمور ، وذلك محال لما سبق .

          قلنا : وقد سبق أيضا في الأوامر جواز ذلك ، وإبطال كل ما تخيلوه مانعا .

          قولهم في المعارضة الأولى : إنه يلزم من ذلك أن يكون الرب تعالى آمرا وناهيا عن فعل واحد في وقت واحد ، وهو محال لا نسلم إحالته .

          قولهم : إما أن يكون حسنا أو قبيحا ، فهو مبني على الحسن والقبح العقلي ، وهو باطل لما سبق .

          فلئن قالوا : وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا ، فلا يخلو : إما أن يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة .

          فإن كان الأول : فقد نهى عما فيه مصلحة ، وإن كان الثاني فقد أمر بما فيه مفسدة .

          [ ص: 133 ] قلنا : وهذا أيضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى ، وهو باطل لما عرف من أصلنا ، بل جاز أن يكون الأمر والنهي لا لمصلحة ولا لمفسدة .

          وإن سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة ، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الأمر بالمفسدة والنهي عن المصلحة ، بل جاز أن يقال : إنه مشتمل على المصلحة حالة الأمر ، ومشتمل على المفسدة حالة النهي ، ولا مفسدة حالة الأمر ، ولا مصلحة حالة النهي على ما تقرر قبل .

          ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى ، ولا البداء لعلمه حالة الأمر بما الفعل مشتمل عليه من المصلحة ، وأنه سينسخه في ثاني الحال لما يلازمه من المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ كما علم .

          قولهم في المعارضة الثانية : إذا أمر بالفعل ، ثم نهى عنه فتبين أنه أمر بما لم يرد مسلم .

          وعندنا ليس من شرط الأمر إرادة المأمور به كما سبق تعريفه .

          قولهم : يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع إن أرادوا بذلك أنه إذا خاطب بما يحتمل التأويل ، أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه ، فمسلم ولكن لا نسلم امتناع ذلك ، وهذا هو أول المسألة ، وإن أرادوا به أنه لا يمكن الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدة ، فغير مسلم ، وإن أرادوا غير ذلك فلا نسلم تصوره .

          قولهم : في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت واحد مأمورا منهيا .

          قلنا : مأمور منهي معا ، أو لا معا ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلم .

          قولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك ، إن سلكنا مذهب عبد الله بن سعد من أصحابنا ، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالإحالة .

          قولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا .

          قلنا : إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلقاتها ومتعلقاتها ، فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا ، وإن تعلقت بالترك سميت نهيا ، وذلك إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك .

          وأما إذا كان زمان التعلق مختلفا فلا ، والمأمور والمنهي وإن كان زمانه متحدا لكن تعلق الأمر به غير زمان تعلق النهي به ، ومع التغاير فلا امتناع .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية