الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير

لا جرم أن الحديث عن التكوين يستتبع ذكر الموت المكتوب على كل بشر فجاء بذكر علمه الآجال والأعمار للتنبيه على سعة العلم الإلهي .

والتعمير : جعل الإنسان عامرا ، أي باقيا في الحياة ، فإن العمر هو مدة الحياة يقال : عمر فلان كفرح ونصر وضرب ، إذا بقي زمانا ، فمعنى عمره بالتضعيف : جعله باقيا مدة زائدة على المدة المتعارفة في أعمار الأجيال ، ولذلك قوبل بالنقص من العمر ، ولذلك لا يوصف بالتعمير صاحبه إلا بالمبني للمجهول فيقال : عمر فلان فهو معمر . وقد غلب في هذه الأجيال أن يكون الموت بين الستين والسبعين فما بينهما ، فهو عمر متعارف ، والمعمر الذي يزيد عمره على السبعين ، والمنقوص عمره الذي يموت دون الستين ولذلك كان أرجح الأقوال في تعمير المفقود عند فقهاء المالكية هو الإبلاغ به سبعين سنة من تاريخ ولادته ووقع القضاء في تونس بأنه ما تجاوز ثمانين سنة ، قالوا لأن الذين يعيشون إلى ثمانين غير قليل فلا ينبغي الحكم باعتبار المفقود ميتا إلا بعد ذلك لأنه يترتب عليه الميراث ولا ميراث بشك ، ولأنه بعد الحكم باعتباره ميتا تزوج امرأته ، وشرط صحة التزوج أن تكون المرأة خلية من عصمة ، ولا يصح إعمال الشرط مع الشك فيه . وهو تخريج فيه نظر .

وضمير " من عمره " عائد إلى " معمر " على تأويل " معمر " بـ ( أحد ) كأنه [ ص: 278 ] قيل : وما يعمر من أحد ولا ينقص عمره ، أي عمر أحد وآخر . وهذا كلام جار على التسامح في مثله في الاستعمال واعتمادا على أن السامعين يفهمون المراد كقوله تعالى " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحدة منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين " لظهور أنه لا ينقلب الميت وارثا لمن قد ورثه ولا وارث ميتا موروثا لوارثه .

والكتاب كناية عن علم الله تعالى الذي لا يغيب عنه معلوم كما أن الشيء المكتوب لا يزاد فيه ولا ينقص ، ويجوز أن يجعل الله موجودات هي كالكتب تسطر فيها الآجال مفصلة وذلك يسير في مخلوقات الله تعالى . ولذلك قال :

" إن ذلك على الله يسير " أي لا يلحقه من هذا الضبط عسر ولا كد .

وقد ورد هنا الإشكال العام الناشئ عن التعارض بين أدلة جريان كل شيء على ما هو سابق في علم الله في الأزل ، وبين إضافة الأشياء إلى أسباب وطلب اكتساب المرغوب من تلك الأسباب واجتناب المكروه منها فكيف يثبت في هذه الآية للأعمار زيادة ونقص مع كونها في كتاب وعلم لا يقبل التغيير . وكيف يرغب بالصدقة مثلا أنها تزيد في العمر ، وأن صلة الرحم تطيل في العمر .

والمخلص من هذا ونحوه هو القاعدة الأصلية الفارقة بين كون الشيء معلوما لله تعالى وبين كونه مرادا ، فإن العلم يتعلق بالأشياء الموجودة والمعدومة ، والإرادة تتعلق بإيجاد الأشياء على وفق العلم بأنها توجد ، فالناس مخاطبون بالسعي لما تتعلق به الإرادة فإذا تعلقت الإرادة بالشيء علمنا أن الله علم وقوعه ، وما تصرفات الناس ومساعيهم إلا أمارات على ما علمه الله لهم ، فصدقة المتصدق أمارة على أن الله علم تعميره ، والله تعالى يظهر معلوماته في مظاهر تكريم أو تحقير ليتم النظام الذي أسس الله عليه هذا العالم ويلتئم جميع ما أراده الله من هذا التكوين على وجوه لا يخل بعضها ببعض وكل ذلك مقتضى الحكمة العالية . ولا مخلص من هذا الإشكال إلا هذا الجواب وجميع ما سواه وإن أقنع ابتداء فمآله إلى حيث ابتدأ الإشكال .

التالي السابق


الخدمات العلمية