الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

15 [ ص: 257 ] ( 3 ) باب من أدرك ركعة من الصلاة

13 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أدرك ركعة من الصلاة ، فقد أدرك الصلاة " .

[ ص: 258 ]

التالي السابق


[ ص: 258 ] 467 - هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة .

468 - وروى عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ووقتها " .

469 - وهذا أيضا لم يقله عن مالك غيره ، وهو مجهول لا يحتج به .

470 - والصواب عن مالك ما في الموطأ .

471 - وكذلك رواه جماعة : رواه ابن شهاب ، كما رواه مالك في الموطأ .

472 - إلا ما رواه نافع بن يزيد ، عن يزيد بن الهاد ، عن عبد الوهاب بن أبي بكر ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها " وهذا لفظ أيضا لم يقله أحد عن ابن شهاب .

[ ص: 259 ] 473 - وقد روى هذا الحديث : الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن ابن شهاب ، فلم يذكر في الإسناد : عبد الوهاب ، ولا جاء بهذه اللفظة ، أعني قوله : وفضلها .

474 - وقد اختلف الفقهاء في معنى هذا الحديث ، فقالت طائفة منهم : أراد بقوله ذلك أنه أدرك وقتها .

475 - حكي عن داود بن علي ، وأصحابه قالوا : إذا أدرك الرجل من [ ص: 260 ] الظهر أو العصر ركعة وقام فصلى الثلاث ركعات فقد أدرك الوقت في جماعة ، وثوابه على الله تعالى .

476 - قال أبو عمر : هؤلاء قوم قد جعلوا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " في معنى قوله : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح " .

477 - وليس كما ظنوا ; لأنهما حديثان لكل واحد منهما معنى على ما بيناه في كتابنا هذا ، وفي " التمهيد " أيضا ، والحمد لله .

478 - وقال آخرون : من أدرك ركعة من الصلاة في جماعة فقد أدرك فضل الجماعة ; لأن صلاته صلاة جماعة في فضلها وحكمها ، واستدلوا على ذلك من أصولهم : بأنه لا يعيد في جماعة من أدرك ركعة من صلاة الجماعة .

479 - وقال آخرون : معنى الحديث أن مدرك ركعة من الصلاة مدرك لحكمها كله ، وهو كمن أدرك جميعها فيما يفوته من سهو الإمام وسجوده لسهوه وإن لم يدركه معه ، وأنه لو أدرك وهو مسافر ركعة من صلاة المقيم لزمه حكم المقيم في الإتمام ، ونحو هذا من حكم الصلاة . وهذا قول مالك وأصحابه .

480 - والحديث يقتضي عمومه ، وظاهره أن مدرك ركعة من صلاة الإمام مدرك للفضل والوقت والحكم إن شاء الله ، وإن لم يدرك الركعة بتمامها فلم يدرك حكم الصلاة .

481 - وأما الفضل فإن الله يتفضل بما يشاء على من يشاء ، والفضل فضله يؤتيه من يشاء .

[ ص: 261 ] 482 - وإذا كان الذي ينام عن صلاته بالليل يكتب له أجر صلاته ، والذي ينوي الجهاد فيحبسه العذر يكتب له أجر المجاهد ، والمريض يكتب له ما كان يعمله صحيحا ، ومنتظر الصلاة في صلاة ، فأين مدخل النظر هاهنا ؟ .

483 - وقد وردت آثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن توضأ فأحسن وضوءه ، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أنه يعطيه أجر من صلاها وحضرها .

484 - قد ذكرناها في " التمهيد " وذكرنا هناك عن أبي هريرة وهو الذي روى حديث " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " - أنه قال : إذا انتهى إلى القوم وهم قعود في صلاتهم فقد دخل في التضعيف ، وإذا انتهى إلى القوم وقد سلم الإمام ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف .

485 - قال عطاء بن أبي رباح : وكان يقال : إذا خرج من بيته وهو ينويهم ، فقد دخل في التضعيف .

486 - وعن أبي وائل ، وشريك : من أدرك التشهد فقد أدرك فضلها .

487 - وقال أبو سلمة - وهو راوية هذا الحديث - من خرج من بيته قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك .

488 - وهذا كله يؤيد أن الفضل والأجر على قدر النية ، فلا مدخل للقياس والنظر ، وما كل مصل يتقبل منه ، فكيف يضاعف له ؟ والله يؤتي فضله من يشاء .

[ ص: 262 ] 489 - وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يدرك من الصلاة ركعة فلم يدركها ، ولا له مدخل في حكمها من حصول سهو لم يدركه مع إمامه ، وانتقال فرضه من ركعتين إلى أربع ، ونحو هذا .

490 - إلا أن الفقهاء اختلفوا في معنى هذا الدليل هاهنا : فمن ذلك قولهم : من أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها أخرى ، ومن لم يدرك ركعة منها صلى ظهرا .

491 - هذا قول مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، والحسن بن حي ، والأوزاعي ، وزفر بن الهذيل ، ومحمد بن الحسن في الأشهر عنه ، والليث بن سعد ، وعبد العزيز بن سلمة ، وابن حنبل .

492 - وورد ذلك عن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وعلقمة ، والأسود ، والحسن ، وسعيد بن المسيب ، وغيره ، وإبراهيم ، وابن شهاب ، وبه قال إسحاق ، وأبو ثور .

493 - وقال ابن شهاب : هي السنة .

494 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : " إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين " روي ذلك عن إبراهيم النخعي ، والحكم بن عيينة ، وحماد بن أبي سليمان ، وهو قول داود .

495 - وحجتهم قوله - عليه السلام - : " ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فاقضوا " قالوا : والذي فاته ركعتان لا أربع .

[ ص: 263 ] 496 - ومن ذلك أيضا اختلافهم فيمن فاتته الخطبة يوم الجمعة : فإن عطاء بن أبي رباح ، وطاوسا ، ومجاهدا ، ومكحولا قالوا : من فاتته الخطبة يوم [ ص: 264 ] الجمعة صلى أربعا قالوا : لم تقصر الصلاة في يوم الجمعة إلا من أجل الخطبة ، فمن لم يدركها صلى ظهرا .

497 - وهذا قول يبطل بقوله - عليه السلام - " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " .

498 - حدثني محمد بن عبد الله بن حكيم قال : حدثنا محمد بن معاوية القرشي قال : حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال : حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا عبد الحميد قال : حدثنا الأوزاعي قال : سألت الزهري عن رجل فاتته خطبة الإمام يوم الجمعة وأدرك الصلاة ، فقال : حدثني أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها " .

499 - وأما مسألة المسافر يدرك ركعة من صلاة المقيم ، فأيسر الناس في ذلك مالك .

[ ص: 265 ] 500 - قال : إذا لم يدرك المسافر من صلاة الإمام ركعة صلى ركعتين ، وإن أدرك منها ركعة تامة بسجدتيها صلى أربعا .

501 - وهو قول الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، وابن شهاب الزهري ، وقتادة .

502 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والثوري ، والأوزاعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور : إذا دخل المسافر في صلاة المقيم صلى أربعا صلاة مقيم ، وإن أدركها في التشهد .

503 - وروي ذلك عن ابن عباس ، وابن عمر ، وجماعة من التابعين .

504 - وقال الشافعي : إذا أحرم قبل أن يسلم الإمام لزمته صلاة المقيم .

505 - وفي هذه المسألة قولان شاذان : أحدهما لطاوس ، والشعبي ، والثاني لإسحاق بن راهويه ، قد ذكرتهما في " التمهيد " .

506 - وأما سجود السهو فقال مالك : إذا أدرك مع الإمام ركعة لزمه أن يسجد معه لسهوه ، وسواء أدرك السهو أو لم يدرك ، وإن لم يدرك معه ركعة لم يلزمه السجود منه .

[ ص: 266 ] 507 - ومذهبه في ذلك أن سجدتي السهو إن كانتا قبل السلام سجدهما معه ، وإن كانتا بعد السلام لم يسجدهما معه ، وسجدهما إذا أتم صلاته .

508 - وهو قول الأوزاعي ، والليث بن سعد .

509 - وقال الشافعي ، والكوفيون ، وسائر الفقهاء : من دخل مع الإمام في بعض صلاته لزمه سهوه ، وسجد معه .

510 - وعن الشافعي أيضا : أنه يسجدهما بعد القضاء أيضا .

511 - وهذا كله في ( حديث ) : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها ، ومن لم يدرك منها ركعة فلم يدركها ، واستعمال الناس بهذا الحديث واستعمال نصه دليل خطأ به مالك وأصحابه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث