الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في الجنس الثاني

[ أركان الحج والعمرة ]

وهو تعريف أفعال هذه العبادة في نوع نوع منها ، والتروك المشترطة فيها ، وهذه العبادة كما قلنا صنفان : حج وعمرة . والحج على ثلاثة أصناف : إفراد وتمتع وقران . وهي كلها تشتمل على أفعال محدودة في أمكنة محدودة وأوقات محدودة . ومنها فرض ، ومنها غير فرض ، وعلى تروك تشترط في تلك الأفعال ، وكل من هذه أحكام محدودة إما عند الإخلال بها ، وإما عند الطوارئ المانعة منها ، فهذا الجنس ينقسم أولا إلى القول في الأفعال ، وإلى القول في التروك . وأما الجنس الثالث فهو الذي يتضمن القول في الأحكام فلنبدأ بالأفعال ، وهذه منها ما تشترك فيه هذه الأربعة الأنواع من النسك - أعني : أصناف الحج الثلاث ، والعمرة - ، ومنها ما يختص بواحد واحد منها ، فلنبدأ من القول فيها بالمشترك ، ثم نصير إلى ما يخص واحدا واحدا منها ، فنقول :

إن الحج والعمرة أول أفعالهما الفعل الذي يسمى الإحرام . أ - القول في شروط الإحرام .

والإحرام شروطه الأول : المكان ، والزمان . أما المكان : فهو الذي يسمى مواقيت الحج ، فلنبدأ بهذا فنقول :

[ 1 - القول في ميقات المكان ]

إن العلماء بالجملة مجمعون على أن المواقيت التي منها يكون الإحرام : أما لأهل المدينة : فذو [ ص: 270 ] الحليفة ، وأما لأهل الشام : فالجحفة ، ولأهل نجد : قرن ، ولأهل اليمن : يلملم ، لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عمر وغيره .

واختلفوا في ميقات أهل العراق : فقال جمهور فقهاء الأمصار ميقاتهم من ذات عرق . وقال الشافعي والثوري : إن أهلوا من العقيق كان أحب .

واختلفوا فيمن أقته لهم : فقالت طائفة : عمر بن الخطاب . وقالت طائفة : بل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أقت لأهل العراق ذات عرق والعقيق ، وروي ذلك من حديث جابر وابن عباس وعائشة .

وجمهور العلماء على أن من يخطئ هذه وقصده الإحرام فلم يحرم إلا بعدها أن عليه دما ، وهؤلاء منهم من قال : إن رجع إلى الميقات فأحرم منه سقط عنه الدم ومنهم الشافعي . ومنهم من قال : لا يسقط عنه الدم وإن رجع ، وبه قال مالك . وقال قوم : ليس عليه دم . وقال آخرون : إن لم يرجع إلى الميقات فسد حجه ، وأنه يرجع إلى الميقات فيهل منه بعمرة ، وهذا يذكر في الأحكام .

وجمهور العلماء على أن من كان منزله دونهن فميقات إحرامه من منزله .

واختلفوا هل الأفضل إحرام الحاج منهن أو من منزله إذا كان منزله خارجا منهن ؟ فقال قوم : الأفضل له من منزله ، والإحرام منها رخصة ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة . وقال مالك وإسحاق وأحمد : إحرامه من المواقيت أفضل ، وعمدة هؤلاء الأحاديث المتقدمة ، وأنها السنة التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي أفضل .

وعمدة الطائفة الأخرى : أن الصحابة قد أحرمت من قبل الميقات ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وغيرهم قالوا : وهم أعرف بالسنة .

وأصول أهل الظاهر تقتضي أن لا يجوز الإحرام إلا من الميقات إلا أن يصح إجماع على خلافه .

واختلفوا فيمن ترك الإحرام من ميقاته وأحرم من ميقات آخر غير ميقاته ، مثل أن يترك أهل المدينة الإحرام من ذي الحليفة ويحرموا من الجحفة ، فقال قوم : عليه دم ، وممن قال به مالك وبعض أصحابه . وقال أبو حنيفة : ليس عليه شيء .

وسبب الخلاف : هل هو من النسك الذي يجب في تركه الدم أم لا ؟

ولا خلاف أنه لا يلزم الإحرام من مر بهذه المواقيت ممن أراد الحج أوالعمرة . وأما من لم يردهما ومر بهما فقال قوم : كل من مر بهما يلزمه الإحرام إلا من يكثر ترداده مثل الحطابين وشبههم ، وبه قال مالك . وقال قوم : لا يلزم الإحرام بها إلا لمريد الحج أو العمرة ، وهذا كله لمن ليس من أهل مكة . وأما أهل مكة فإنهم يحرمون بالحج منها ، أو بالعمرة يخرجون إلى الحل ولا بد .

وأما متى يحرم بالحج أهل مكة فقيل : إذا رأوا الهلال ، وقيل : إذا خرج الناس إلى منى .

فهذا هو ميقات المكان المشترط لأنواع هذه العبادة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث