الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      ابن جوصا

                                                                                      الإمام الحافظ الأوحد ، محدث الشام أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصا ، مولى بني هاشم ، ويقال : مولى محمد بن صالح الكلابي الدمشقي .

                                                                                      ولد في حدود الثلاثين ومائتين .

                                                                                      وسمع عمرو بن عثمان الحمصي ، ومحمد بن هاشم البعلبكي ، ومحمد بن وزير ، وكثير بن عبيد ، وأبا التقي هشام بن عبد الملك اليزني وعمران بن بكار ، ويونس بن عبد الأعلى ، ومحمد بن عبد الله [ ص: 16 ] بن ميمون الإسكندراني ، ومعاوية بن عمرو الحمصي ، صاحب حريز بن عثمان ، وموسى بن عامر المري ، ومحمد بن عوف الطائي ، وخلقا سواهم بمصر والشام ، ولقي بدمشق شويخا حدثه عن معروف الخياط .

                                                                                      حدث عنه : حمزة الكناني ، وأبو القاسم الطبراني ، وأبو علي النيسابوري ، وأبو بكر بن السني ، وأبو أحمد بن عدي ، والزبير بن عبد الواحد الأسداباذي وأبو أحمد الحاكم ، وخلق كثير ، آخرهم موتا عبد الوهاب الكلابي .

                                                                                      وقال الطبراني : ابن جوصا ثقة .

                                                                                      قال أبو علي الحافظ : سمعت ابن جوصا ، -وكان ركنا من أركان الحديث- يقول : إسناد خمسين سنة من موت الشيخ ، إسناد علو .

                                                                                      قال أبو ذر الهروي : سمعت أبا مسعود الدمشقي يقول : جاء رجل بغدادي يحفظ إلى ابن جوصا ، فقال له ابن جوصا : كلما أغربت علي حديثا من حديث الشاميين أعطيتك درهما . فلم يزل الرجل يلقي عليه ما شاء الله ، ولا يغرب عليه ، فاغتم ، فقال للرجل : لا تجزع ، وأعطاه لكل حديث ذاكره به درهما ، وكان ابن جوصا ذا مال كثير .

                                                                                      قلت : كان من أكابر الدمشقيين .

                                                                                      قال الحافظ عبد الغني بن سعيد : حدثنا محمد بن إبراهيم الكرجي ، قال : ابن جوصا بالشام ، كابن عقدة في الكوفة .

                                                                                      [ ص: 17 ] وقال الدارقطني : أجمع أهل الكوفة على أنه لم ير من زمان ابن مسعود -رضي الله عنه- إلى أن وجد ابن عقدة أحفظ من ابن عقدة .

                                                                                      قال أبو عمرو النيسابوري الصغير : نزلنا خانا بدمشق العصر ، ونحن على أن نبكر إلى ابن جوصا ، فإذا الخاني يصيح : أين أبو علي الحافظ ؟ فقلت : هاهنا . قال : قد حضره الشيخ زائرا . فإذا بأبي الحسن بن جوصا على بغلة ، فنزل عنها ، ثم صعد إلى غرفتنا ، وسلم على أبي علي ، ورحب به ، وأخذ في المذاكرة معه إلى قرب العتمة ثم قال : يا أبا علي ، جمعت حديث عبد الله بن دينار ؟ قال : نعم . قال : أخرجه إلي .

                                                                                      فأخرجه ، فأخذه الشيخ في كمه وقام ، فلما أصبحنا جاءنا رسوله ، وحملنا إلى منزله ، فذاكره أبو علي ، وانتخب عليه إلى المساء ، ثم انصرفنا إلى رحلنا ، وجماعة من الرحالة ينتظرون أبا علي ، فسلموا عليه ثم ذكروا شأن ابن جوصا ، وما نقموا عليه من الأحاديث التي أنكروها ، وأبو علي يسكتهم ، ويقول : لا تفعلوا; هذا إمام من أئمة المسلمين ، وقد جاز القنطرة .

                                                                                      قال أبو عبد الرحمن السلمي : سألت الدارقطني عن ابن جوصا ، فقال : تفرد بأحاديث ، ولم يكن بالقوي .

                                                                                      قلت : هو من الشيوخ النوازل عند حمزة بن محمد الكناني ، ولهذا يقول : عندي عن ابن جوصا مائتا جزء ليتها كانت بياضا . وترك حمزة الرواية [ ص: 18 ] عنه أصلا .

                                                                                      وابن جوصا إمام حافظ له غلط كغيره في الإسناد لا في المتن ، وما يضعفه بمثل ذلك إلا متعنت .

                                                                                      قال جماعة : حدثنا ابن جوصا ، حدثنا أبو التقي ، حدثنا بقية ، حدثنا ورقاء وابن ثوبان ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن أبي هريرة رفعه ، قال : إذا أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة .

                                                                                      أنكر على ابن جوصا ذكر ابن ثوبان في الإسناد ، والخطب سهل ، فلو كان وهما لما ضر ، فلعله حفظه .

                                                                                      قال الطبراني : تفرد به ابن جوصا ، وكان من ثقات المسلمين وأجلهم .

                                                                                      قلت : وقد رواه أبو بكر بن المقرئ ، فقال : حدثنا الحسين بن التقي بن أبي التقي اليزني ، حدثنا جدي ، فذكره متابعا لابن جوصا . ورواه ثقتان عن أحمد بن محمد بن عنبسة الحمصي ، عن أبي التقي كذلك ، فتخلص الحافظ أبو الحسن منه . وأبو التقي فثقة حجة ، ثم إن أحمد بن محمد بن عنبسة ، قال : كان هذا الحديث عند أبي التقي في مكانين . ففي موضع [ ص: 19 ] عن ورقاء ، وفي موضع عن ابن ثوبان ، فجمعهما .

                                                                                      قلت : رواه قبل جمعهما مرات عن ورقاء وجده .

                                                                                      قال حمزة الكناني : سمعت ابن جوصا يقول : كنا ببغداد ، فتذاكروا حديث أيوب وأشباهه ، فقلت : أيش أسند جنادة عن عبادة ؟ فسكتوا . ثم قلت : ما أسند عمرو بن عمرو الأحموسي ؟ فلم يجيبوا .

                                                                                      قال الحافظ أبو علي النيسابوري : إنما حدثونا عن أبي التقي برواية ابن ثوبان ، عن عطاء بن يسار ، ليس فيه عمرو بن دينار .

                                                                                      قال الحاكم : سمعت الزبير الأسدآباذي يقول : حكم الله بيننا وبين أبي علي الحافظ ، أتيناه بدمشق ، وصورنا له حال ابن جوصا ، وأقمنا فيه الحجج والبراهين فأخذ عطاءه . قلت للزبير : لو كتبت إلى أبي علي بهذا . فكتب إليه معي . فقال لي أبو علي : لا تشتغل بذا; فإن الزبير طبلي .

                                                                                      قال أبو القاسم في " تاريخ دمشق " : ابن جوصا شيخ الشام في وقته ، رحل وصنف وذاكر ، وحدث عن : محمد بن وزير ، وموسى بن عامر ، وشعيب بن شعيب بن إسحاق ، وأحمد بن عبد الواحد ، ومحمود بن [ ص: 20 ] سميع ، ويزيد بن عبد الصمد ، وعمرو بن عثمان الحمصي ، وأخيه يحيى ، وابن عبد الحكم ، ويونس ، والربيع بن سليمان ، والزبير بن بكار ، وخلق كثير . ثم سمى الرواة عنه .

                                                                                      أخبرنا المسلم بن علان في كتابه ، عن القاسم بن علي بن الحسن ، أخبرنا أبي ، أخبرنا هبة الله بن الأكفاني ، حدثنا الكتاني ، حدثنا العلاء بن حزم ، حدثنا علي بن بقاء ، حدثنا عبد الغني بن سعيد ، سمعت أبا الفضل جعفر بن محمد ، سمعت أبا الحسن -يعني الدارقطني - يقول : أجمع أهل الكوفة على أنه لم ير من زمن ابن مسعود إلى زمان ابن عقدة أحفظ من ابن عقدة .

                                                                                      قال عبد الغني : وسمعت أبا همام محمد بن إبراهيم يقول : ابن جوصا بالشام كابن عقدة بالكوفة . ثم قال عبد الغني وأبو سعيد بن يونس : كهؤلاء في مواضعهم .

                                                                                      قال الحاكم : سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول : ما رأيت لأبي علي الحافظ زلة إلا روايته عن عبد الله بن وهب الدينوري ، وأحمد بن جوصا .

                                                                                      قلت : ابن جوصا خير من الدينوري بكثير .

                                                                                      توفي ابن جوصا في جمادى الأولى سنة عشرين وثلاثمائة .

                                                                                      وقد أخبرنا بحديثه المذكور في إذا أقيمت الصلاة أحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء بقراءتي عن عبد المعز بن محمد ، أخبرنا تميم بن أبي [ ص: 21 ] سعيد ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الأديب ، أخبرنا أبو أحمد الحافظ ، حدثنا أحمد بن عمير بن جوصا ، حدثنا اليزني فذكره .

                                                                                      وقال أبو أحمد بن عدي في " كامله " : حدثنا ابن جوصا ، حدثنا معاوية بن عبد الرحمن الرحبي ، سمعت حريز بن عثمان يقول : سألت عبد الله بن بسر ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : كان في عنفقته شعرات بيض .

                                                                                      وأخبرنا محمد بن علي الدمشقي ، ومحمد بن علي الواسطي ، قالا : أخبرنا البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الحق ، أخبرنا يحيى بن منده ، أخبرنا أحمد بن محمود ، أخبرنا أبو بكر بن المقرئ ، حدثنا أحمد بن جوصا ، حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا حريز بن عثمان قال : قلت لعبد الله بن بسر : هل كان في رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من شيب ؟ قال : كان في رأس رسول الله شعرات بيض إذا دهن تغير .

                                                                                      هذا حديث غريب بهذا اللفظ . ومعاوية شيخ ابن جوصا لا يعرف ، ولا وجدته في كتب الجرح .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية