الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
وأما تعليم العلم لغير أهله فقد قال الإمام علي رضي الله عنه إن ههنا علما وأشار بيده إلى صدره لو أصبت له حملة . وقد أنهيت عليه الكلام في كتابي القول العلي لشرح أثر الإمام علي رضي الله عنه . وقد قال الإمام ابن عقيل في [ ص: 57 ] فنونه : حرام على عالم قوي الجوهر أدرك بجوهريته وصفاء خاطره علما أطاقه فحمله أن يرشح به إلى ضعيف لا يحمله ولا يحتمله فإنه يفسده .

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام { نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم } رواه أبو الحسن التميمي من أصحابنا في كتاب العقل له بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرجه الحافظ الضياء في المختارة من رواية أحمد بن زياد العتكي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { أمرنا معشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم } .

وقال الإمام البخاري : قال علي رضي الله عنه : حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله .

وفي الآداب الكبرى قال ابن عقيل : واكمداه من مخافة الأغيار . واحسرتاه من أجل استماع ذي جهالة للحق والإنكار . والله ما زال خواص عباد الله يتطلبون لنزوحهم بمناجاتهم رءوس الجبال والبراري والقفار ، لما يرونه من المنكرين لشأنهم من الأغمار .

وقال شعبة : أتاني الأعمش وأنا أحدث قوما فقال ويحك تعلق اللؤلؤ في أعناق الخنازير ؟ قال مهنا للإمام أحمد رضي الله عنه : ما معنى قوله ؟ قال لا ينبغي أن يحدث من لا يستأهل .

وقال عيسى ابن مريم عليه السلام : للحكمة أهل فإن وضعتها في غير أهلها ضيعت ، وإن منعتها من أهلها ضيعت . كن كالطبيب يضع الدواء حيث ينبغي .

وقال عليه السلام : لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا ، ولا تعط الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ، ومن لا يريدها شر من الخنزير .

وقال مالك : ذل وإهانة للعلم أن تتكلم به عند من يضيعه .

ومن كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه :

أأنثر درا بين سارحة النعم أأنظم منثورا لراعية الغنم

إلى أن قال :

فمن منح الجهال علما أضاعه     ومن منع المستوجبين فقد ظلم

[ ص: 58 ] فعلى العالم كتم علمه عمن لا يقوم بناموسه ، أو من يتخذه سلما لتناول ما لا يحل تناوله ، أو من يحمله على غير محامله ، وآخر من رأينا من الأئمة من يتحرج من سماع من لا يصلح شيخنا الإمام النقي الهمام التقي عبد القادر التغلبي فإنه امتنع أن يقرئ جماعة المحكمة والحكام ، فقلت له في ذلك ، فقال إن هؤلاء يتخذون العلم وسيلة لاصطياد الدنيا ، ويتعلمون مسائل الخلاف ليحكموا فيها بالتشهي . أو كلاما هذا معناه وقد قال أصحابنا : من تتبع الأقوال الضعيفة ومسائل الاختلاف وحكم فيها بالتشهي فهو مضل . وفي كلام بعضهم أنه زندقة كما في طبقات العليمي والله الموفق .

والحاصل أن العلم كالسيف إن أعطيته لتقي قاتل به في سبيل الله وإن ألقيته لشقي قطع به الطريق وأضر عباد الله . وهذا مستثنى من عموم قوله { من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار } .

وأما عدم صيانة ناموس العلم ففي الصحيحين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال للإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن الموسم يجمع الرعاع والغوغاء فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه ، فقدمنا المدينة ، فقبل عمر مشورة ابن عباس فلم يتكلم بذلك حتى قدم المدينة . قال الإمام ابن الجوزي : وفي هذا تنبيه على أن لا يودع العلم عند غير أهله ، ولا يحدث لقليل الفهم ما لا يحتمله فهمه ، والرعاع السفلة ، والغوغاء نحو ذلك . وأصل الغوغاء صغار الجراد .

وفي تاريخ ابن النجار عن ابن المبارك رضي الله عنه قال : قدمت على سفيان الثوري بمكة فوجدته مريضا شاربا دواء ، فقلت له إني أريد أن أسألك عن أشياء ، قال فقل . فقلت أخبرني من الناس ؟ قال الفقهاء ، قلت قلت فمن الملوك ؟ قال الزهاد ، قلت فمن الأشراف ؟ قال الأتقياء ؟ قلت فمن الغوغاء ؟ قال الذين يكتبون الأحاديث يريدون أن يتأكلوا أموال الناس . قلت فمن السفلة ؟ قال الظلمة .

ولو أخذنا نتكلم على متعلقات العلم لطال الكتاب وأدى ذلك إلى الإطناب .

وهو وإن كان غزير الفوائد كبير الفرائد كثير العوائد غير أن أبناء الزمان [ ص: 59 ] لا يألفون التطويل ، وقد تركه الناس منذ أزمان .

التالي السابق


الخدمات العلمية