الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر

قوله تعالى : إنه فكر وقدر يعني الوليد فكر في شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ، و " قدر " أي هيأ الكلام في نفسه ، والعرب تقول : قدرت الشيء إذا هيأته ، وذلك أنه لما نزل : حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم إلى قوله : إليه المصير سمعه الوليد يقرؤها فقال : والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر . فقالت قريش : صبا الوليد لتصبون قريش كلها . وكان يقال للوليد ريحانة قريش ; فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه . فمضى إليه حزينا ؟ فقال له : ما لي أراك حزينا . فقال له : وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد ، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما ; فغضب الوليد وتكبر ، وقال : أنا أحتاج إلى كسر محمد وصاحبه ، فأنتم تعرفون قدر مالي ، واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك ، وإنما أنتم تزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه قط يخنق ؟ قالوا : لا والله ، قال : وتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه نطق بشعر قط ؟ قالوا : لا والله . قال : فتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه كذبا قط ؟ قالوا : لا والله . قال : فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط ، ولقد رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا فهل رأيتموه كذلك ؟ قالوا : لا والله . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى الصادق الأمين من كثرة صدقه . فقالت قريش للوليد : فما هو ؟ ففكر في نفسه ، ثم نظر ، ثم عبس ، فقال ما هو إلا ساحر ! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ؟ فذلك قوله تعالى : إنه فكر أي في أمر محمد والقرآن وقدر في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما .

فقتل أي لعن . وكان بعض أهل التأويل يقول : معناها فقهر وغلب ، وكل مذلل مقتل ; قال الشاعر : امرؤ القيس :

وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي بسهميك في أعشار قلب مقتل وقال الزهري : عذب ; وهو من باب الدعاء كيف قدر قال ناس : ( كيف ) تعجيب ; كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه : كيف فعلت هذا ؟ وذلك كقوله : " انظر كيف ضربوا لك الأمثال " .

ثم قتل أي لعن لعنا بعد لعن . وقيل : فقتل بضرب من العقوبة ، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة كيف قدر أي على أي حال قدر . ثم نظر بأي شيء يرد الحق ويدفعه . ثم عبس أي قطب بين عينيه في وجوه المؤمنين ; وذلك أنه لما حمل قريشا على ما حملهم عليه من القول في محمد - صلى الله عليه وسلم - بأنه ساحر ، مر على جماعة من المسلمين ، فدعوه إلى الإسلام ، فعبس في وجوههم . قيل : عبس وبسر على النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دعاه . والعبس مخففا مصدر عبس يعبس عبسا وعبوسا : إذا قطب . والعبس ما يتعلق بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها ; قال أبو النجم :

كأن في أذنابهن الشول من عبس الصيف قرون الأيل وبسر أي كلح وجهه وتغير لونه ; قاله قتادة والسدي ; ومنه قول بشر بن أبي خازم :

صبحنا تميما غداة الجفار بشهباء ملمومة باسره وقال آخر [ توبة بن حمير ] :

وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها وقيل : إن ظهور العبوس في الوجه بعد المحاورة ، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة . وقال قوم : ( بسر ) وقف لا يتقدم ولا يتأخر . قالوا : وكذلك يقول أهل اليمن إذا وقف المركب ، فلم يجئ ولم يذهب : قد بسر المركب ، وأبسر أي وقف وقد أبسرنا . والعرب تقول : وجه باسر بين البسور : إذا تغير واسود .

ثم أدبر أي ولى وأعرض ذاهبا إلى أهله . واستكبر أي تعظم عن أن يؤمن . وقيل : أدبر عن الإيمان واستكبر حين دعي إليه .

فقال إن هذا أي ما هذا الذي أتى به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا سحر يؤثر أي يأثره عن غيره . والسحر : الخديعة . وقد تقدم بيانه في سورة ( البقرة ) . وقال قوم : السحر : إظهار الباطل في صورة الحق . والأثرة : مصدر قولك : أثرت الحديث آثره إذا ذكرته عن غيرك ; ومنه قيل : حديث مأثور : أي ينقله خلف عن سلف ; قال امرؤ القيس :

ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد لقلت من القول ما لا يزا ل يؤثر عني يد المسند يريد آخر الدهر ، وقال الأعشى :

إن الذي فيه تماريتما بين للسامع والآثر

ويروى : بين . إن هذا إلا قول البشر أي ما هذا إلا كلام المخلوقين ، يختدع به القلوب كما تختدع بالسحر ، قال السدي : يعنون أنه من قول سيار عبد لبني الحضرمي ، كان يجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك .

وقيل : أراد أنه تلقنه من أهل بابل . وقيل : عن مسيلمة .

وقيل : عن عدي الحضرمي الكاهن . وقيل : إنما تلقنه ممن ادعى النبوة قبله ، فنسج على منوالهم . قال أبو سعيد الضرير : إن هذا إلا أمر سحر يؤثر ; أي يورث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث