الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  716 137 - حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا فليح، قال: حدثنا هلال بن علي، عن أنس بن مالك قال: صلى لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رقي المنبر، فأشار بيده قبل قبلة المسجد، ثم قال: لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ثلاثا.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله: " فأشار بيده إلى القبلة "؛ لأن رؤيتهم إشارته صلى الله عليه وسلم - بيده إلى جهة القبلة تدل على أنهم كانوا يراقبونه في الصلاة، وقال الكرماني : إن في وجه المطابقة وجهين: أحدهما هو أن فيه بيان رفع بصر الإمام إلى الشيء، فناسب بيان رفع البصر إلى الإمام من جهة كونهما مشتركين في رفع البصر في الصلاة.

                                                                                                                                                                                  (قلت): فيه ما لا يخفى، والوجه الثاني: هو القريب، وهو أن هذا الحديث مختصر حديث صلاة الكسوف الذي ثبت فيه رفع البصر إلى الإمام، والعجب العجاب أن بعضهم ذكر وجه المطابقة، وأخذه من كلام الكرماني وطوله، ثم نسبه إلى نفسه حيث قال: والذي يظهر لي أن [ ص: 308 ] حديث أنس مختصر من حديث ابن عباس، وأن القصة فيهما واحدة فسيأتي في حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم - قال: " رأيت الجنة والنار "، كما قال في حديث أنس، وقد قالوا له في حديث ابن عباس : " رأيناك تكعكعت "، فهذا موضع الترجمة. انتهى.

                                                                                                                                                                                  والذي قلته هو الأوجه لم ينبه عليه أحد من الشراح، وبه يسقط أيضا اعتراض الإسماعيلي على إيراد البخاري حديث أنس هذا في هذا الباب، فقال: ليس فيه نظر المأمومين إلى الإمام فكيف يقول: ليس فيه نظر المأمومين إلى الإمام، وأنس يخبر بقوله: " فأشار بيده قبل قبلة المسجد "، فلو لم يكن هو ناظرا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى إشارته بيده إلى جهة القبلة، وأبعد من اعتراض الإسماعيلي قول بعضهم في جواب اعتراضه، وأجيب بأن فيه أن الإمام رفع بصره إلى ما أمامه، وإذا ساغ ذلك للإمام ساغ للمأموم. انتهى.

                                                                                                                                                                                  (قلت): سبحان الله ما أبعد هذا من المقصود! لأن الترجمة ليست فيما ذكره، وإنما هي في رفع البصر إلى الإمام، وأين هذا من ذلك؟

                                                                                                                                                                                  (ذكر رجاله) وهم أربعة: الأول: محمد بن سنان بكسر السين المهملة، وتخفيف النون، وبعد الألف نون أخرى أبو بكر العوفي الباهلي الأعمى، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

                                                                                                                                                                                  الثاني: فليح بضم الفاء ابن سليمان بن أبي المغيرة أبو يحيى الخزاعي .

                                                                                                                                                                                  الثالث: هلال بن علي، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، ويقال: هلال بن أسامة الفهري المديني، مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك .

                                                                                                                                                                                  الرابع: أنس بن مالك.

                                                                                                                                                                                  (ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في موضعين، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه عن أنس، وفي رواية للبخاري في الرقاق التصريح بسماع هلال من أنس رضي الله تعالى عنه، وأخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن يحيى بن صالح، وفي الرقاق عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح، عن أبيه.

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه) قوله: " ثم رقي المنبر " بكسر القاف، يقال: رقيت في السلم إذا صعدت، وقال ابن التين : ووقع في بعض النسخ: " رقى " بفتح القاف. قوله: " بيده "، ويروى " بيديه " قوله: " قبل قبلة المسجد " بكسر القاف، وفتح الباء الموحدة؛ أي: جهة قبلة المسجد، ويقال: جلست قبل فلان: أي عنده.

                                                                                                                                                                                  قوله: " الآن " هو اسم للوقت الذي أنت فيه، وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة ولم تدخل عليه الألف واللام للتعريف؛ لأنه ليس له ما يشركه، قال الكرماني : (فإن قلت): هو للحال، ورأيت للماضي فكيف يجتمعان؟

                                                                                                                                                                                  (قلت): دخول قد عليه قربه للحال (فإن قلت): فما قولك في صليت فإنه للمضي البتة، قال ابن الحاجب : كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر، فمثل صليت يكون للماضي الملاصق للحاضر، أو أريد بالآن ما يقال عرفا إنه الزمان الحاضر لا اللحظة الحاضرة الغير المنقسمة المسماة بالحال.

                                                                                                                                                                                  (فإن قلت): منذ حرف أو اسم؟ (قلت): جاز الأمران، فإن كان اسما فهو مبتدأ وما بعده خبره والزمان مقدر قبل صليت، وقال الزجاج بعكس ذاك.

                                                                                                                                                                                  قوله: " ممثلتين ": أي مصورتين. قوله: " فلم أر كاليوم " الكاف هاهنا موضع نصب، التقدير فلم أر منظرا مثل منظري اليوم. قوله: " في الخير ": أي في أحوال الخير. قوله: " ثلاثا " يتعلق بقوله: " قال ": أي قال ثلاث مرات.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية