الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( الرابع ) من شروط المبيع ( الملك ) في المعقود عليه التام ، فخرج بيع نحو المبيع قبل قبضه إذ لا يصح بيعه كما سيأتي ( لمن له العقد ) الواقع من عاقد أو موكله أو مولية فدخل في ذلك الحاكم في بيع مال الممتنع والملتقط لما يخاف تلفه والظافر بغير جنس حقه ، والمراد أنه لا بد أن يكون مملوكا لأحد الثلاثة ( فبيع الفضولي ) وشراؤه وسائر عقوده في عين لغيره أو في ذمة غيره كقوله اشتريت له كذا بألف في ذمته وهو من ليس [ ص: 403 ] بوكيل ولا ولي للمالك ( باطل ) لخبر { لا بيع إلا فيما تملك } رواه أبو داود والترمذي ، وقال إنه حسن .

                                                                                                                            لا يقال عدوله عن التعبير بالعاقد إلى من له العقد وإن أفاد ما ذكر من شموله العاقد وموكله وموليه يدخل فيه الفضولي ، ومراده إخراجه فإن العقد يقع للمالك موقوفا على إجازته عند من يقول بصحته .

                                                                                                                            لأنا نقول : المراد الواقع له العقد ولهذا أشار الشارح لرد الإيراد بقوله الواقع ليفيد به أن الموقوف على الإجازة على القول بصحة تصرف الفضولي الصحة لا أنها ناجزة ، والموقوف الملك كما نقله المصنف عن الأكثرين ، وحكاه عنه كل من العلائي والزركشي في قواعده ، وإن نقل الرافعي عن الإمام أن الصحة ناجزة والمتوقف على الإجازة هو الملك ، وأفاد الوالد رحمه الله أن الشيخين صرحا في باب العدد بأن الموقوف الصحة ( وفي القديم ) وحكى عن الجديد أيضا عقده ( موقوف ) على رضا المالك بمعنى أنه ( إن أجاز مالكه ) أو وليه العقد ( نفذ وإلا فلا ) واستدل له بظاهر خبر عروة .

                                                                                                                            وأجيب عنه بأنه محمول على أن عروة كان وكيلا مطلقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل أنه باع الشاة وسلمها ، وعند القائل بالجواز [ ص: 404 ] يمتنع التسليم بدون إذن المالك ، والمعتبر إجازة من يملك التصرف عند العقد ، فلو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ ، ومحل الخلاف ما لم يحضر المالك ، فلو باع مال غيره بحضرته وهو ساكت لم يصح قطعا كما في المجموع ، وأورد على المصنف وشارحيه قول الماوردي : يجوز شراء ولد المعاهد منه ويملك لا سبيه لأنه تابع لأمان أبيه ا هـ .

                                                                                                                            ورد بأن إرادته بيعه تتضمن قطع تبعيته لأمانه وبانقطاعها يملكه من استولى عليه إن قلنا إن المتبوع يملك قطع أمان التابع وفيه نظر ظاهر ، وبتسليمه فالمشتري لم يملكه بشراء صحيح بل بالاستيلاء عليه ، فما بذله إنما هو في مقابلة تمكينه منه لا غير ، وبهذا يعلم أن من اشترى من حربي ولده بدار الحرب لم يملكه بالشراء ; لأنه حر إذ بدخوله في ملك البائع عند قصده الاستيلاء عليه يعتق عليه بل بالاستيلاء فيلزمه تخميسه أو تخميس فدائه إن اختاره الإمام ، بخلاف شراء نحو أخيه ممن لا يعتق عليه بذلك منه ومستولدته إذا قصد الاستيلاء عليهما فإنه يصح فيملكهما المشتري ولا يلزمه تخميسهما وقد أفاد معنى ذلك الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه ( ولو ) ( باع مال مورثه ) أو غيره أو أعتق رقيقه أو زوج أمته ( ظانا حياته ) أو عدم إذن الغير له ( فبان ميتا ) بسكون الياء في الأفصح [ ص: 405 ] أو أذنا له ( صح ) البيع وغيره ( في الأظهر ) اعتبارا في العقود بما في نفس الأمر لعدم احتياجها لنية فانتفي ، التلاعب وبفرضه لا يضر لصحة نحو بيع الهازل ، الوقف هنا وقف تبين لا وقف صحة ، وإنما لم يصح تزويج الخنثى وإن بان واضحا ولا نكاح المشتبهة عليه بمحرمه ، ولو بانت أجنبية لوجود الشك في حل المعقود عليه وهو يحتاط له في النكاح ما لا يحتاط لولاية العاقد وإن اشتركا في الركنية ، وعلم مما تقرر عدم الاختصاص بظن الملك ، وأن الضابط فقدان الشرط كظن عدم القدرة على التسليم فبان بخلافه وهذا مرادهم وإن لم يصرحوا به .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : التام ) أخذه بحمل كلام المصنف عليه لأن الشيء إذا أطلق انصرف لفرده الكامل ( قوله : فخرج ) أي بقوله التام ( قوله : نحو المبيع ) كصداق المرأة وعوض الخلع المعينين وغيرهما من كل ما ضمن بعقد : أي كما لو كان المال متعلقا برقبته وقت البيع ( قوله : أو موليه ) وجه الدخول أنه أراد بالولي من أذن له الشارع في التصرف في المال المعقود عليه ، وإلا فالظافر ونحوه لا ولاية لهما على المالك ( قوله : والمراد أنه إلخ ) إنما قال ذلك ليكون من شروط المبيع إذ الملك من صفات العاقد والكلام في المعقود عليه ( قوله : لا بد أن يكون ) أي موليه ( قوله : وسائر عقوده ) لو عبر بالتصرف كان أعم ليشمل الحل أيضا كأن طلق أو أعتق ا هـ زيادي .

                                                                                                                            اللهم إلا أن يقال : لما عبر بالعاقد فيما مر ليشمل البائع وغيره ناسب التعبير هنا بقوله وسائر إلخ أو أن الخلاف بالأصالة إنما هو في العقود ( قوله : أو في ذمة غيره ) بخلاف ما لو اشترى بعين ماله لغيره أو في ذمته أو قال في الذمة أو أطلق لغيره بلا إذن فإن العقد يقع له وتلغو التسمية ، فإن فعل ذلك بإذنه صح للغير ويكون المدفوع قرضا ( قوله : وهو ) أي [ ص: 403 ] أي الفضولي ( قوله : ولا ولي للمالك ) يدخل فيه الظافر والملتقط فإن كلا منهما ليس بوكيل ولا ولي .

                                                                                                                            ويجاب بما قدمنا من أن المراد بولي المالك من أذن له الشرع في التصرف في ماله ، وعليه فكل من الظافر والملتقط وكيل عن المالك بإذن الشرع له في التصرف ( قوله : لكن يدخل فيه ) أي من له العقد ( قوله : من يقع له العقد ) أي حالا بأن يكون ناجزا ، وإلا فمجرد كونه يقع له العقد لا يدفع الاعتراض ، وعبارة حج : من يقع له العقد بنفسه ، وعلى القديم لا يقع إلا بالإجازة فلا يرد ( قوله : كما نقله ) أي أن الموقوف على الإجازة الصحة لا الملك ( قوله : بأن الموقوف الصحة ) معتمد ( قوله : على رضا المالك ) لعله إنما قيد بذلك لوقوعه في تعليل القديم أو أنه راعى قوله في الحديث { إنما البيع عن تراض } وإلا فقوله : بمعنى أنه يغني عنه ( قوله : إن أجاز مالكه ) وينبغي على هذا أن تكون الإجازة فورية .

                                                                                                                            وفي الأنوار : لو قال لمدينه اشتر لي عبدا مما في ذمتك صح للموكل وإن لم يعين العبد وبرئ من دينه ورد وإن جرى عليه جمع متقدمون بأنه مبني على ضعيف وهو جواز اتحاد القابض والمقبض ، وإنما اغتفر في صرف المستأجر في العمارة لأنه وقع تابعا لا مقصودا ، ولك أن تقول : إنما يتجه تضعيفه إن أرادوا حسبان ما أقبضه من الدين المصرح به قوله : وبرئ من دينه .

                                                                                                                            أما وقوع شراء العبد للآذن ويكون ما أقبضه قرضا عليه نظير ما مر فيقع التقاص بشرطه فلا وجه لرده ا هـ حج أقول : وقد يتوقف فيه بأنه إنما أذن له ليشتري بما له عليه من الدين لا بمال من عند نفسه ، والوكيل إذا خالف في الشراء بما أذن له فيه الموكل لم يصح شراؤه للموكل ، والقياس وقوعه للوكيل وبقاء الدين بحاله ، وقوله : وهو جواز اتحاد القابض والمقبض : أي ; ولأنه يلزم عليه أن يكون الإنسان وكيلا عن غيره في إزالة ملك نفسه ، وقوله : فيقع التقاص بشرطه أي وهو اتحاد الجنس ( قوله : أو وليه ) أي أو وكيله فيما يظهر ، ولعله لم يذكره لأن فيه تفصيلا وهو أنه إذا وكله في جميع التصرفات أو خصوص ما ذكر صح تنفيذها وإلا فلا ( قوله : نفذ ) منه تنفيذ القاضي ومضارعه مضموم بخلاف نفد المهمل ومضارعه مفتوح ، ومعناه الفراغ ا هـ ع ( قوله : وإلا فلا ) أي بأن رد صريحا أو سكت ( قوله : واستدل له ) أي القديم ( قوله : بظاهر خبر عروة ) وهو { أنه صلى الله عليه وسلم وكله في شراء شاة فاشترى له شاتين ثم باع واحدة منهما } ( قوله : وعند القائل بالجواز ) صريح [ ص: 404 ] في جواز الإقدام على العقد على القديم ، ويوجه بأنه لا ضرورة على المالك فيه ; لأنه لم يتصرف في شيء من أمواله ولا ألزم ذمته بشيء ، وقد يكون في ذلك مصلحة لمن يقع له العقد ، وبهذا فارق ما بحث من حرمة الإقدام ، وإن قلنا بالصحة فيما لو باع مال مورثه ظانا حياته فإن في ذلك تعديا في مال الغير سيما وبيعه مقتض عادة لتسليمه من المشتري وتفويته على مالكه ( قوله : يمتنع ) أي فلا دلالة في خبر عروة ( قوله : فبلغ ) أي الطفل وأجاز وهل تنعقد الإجازة من الولي حينئذ لملكه التصرف حال العقد أم لا لانعزاله ببلوغ الطفل ؟ فيه نظر ، وظاهر كلامه الأول .

                                                                                                                            ويوجه بأنه لما كان من آثار تصرفه الأول نزل منزلة الواقع قبل بلوغه ( قوله : بحضرته ) أي مع تيسر مراجعته بلا مشقة فيما يظهر وإلا كان كالغائب ( قوله : كما في المجموع ) ولعل وجهه أنه في الغائب ربما تقتضي المصلحة البيع في غيبته والتأخير إلى مراجعته يفوت ذلك بخلاف الحاضر ( قوله : وارد على المصنف ) أي حيث قال : الرابع الملك ممن له العقد وولد المعاهد غير مملوك لأبيه ( قوله : ورد ) أي إيراده على المصنف ، ورد الإيراد يستلزم تسليم الحكم فيكون الشارح قائلا بصحة ما قاله الماوردي ( قوله : وفيه نظر ) أي وفي كون المتبوع يملك قطع أمان التابع ( قوله : بل بالاستيلاء ) أي لم يملكه بالشراء وإنما ملكه بالاستيلاء فهو عطف على الأول ( قوله : فيلزمه تخميسه ) أي كل من ولد المعاهد والحربي ( قوله : أو تخميس فدائه ) وهذا يجري في شراء ولد المعاهد لما علل به من أنه لم يملكه بالشراء ( قوله : إن اختاره الإمام ) صريح في أن من أسر حربيا لا يستقل بالتصرف فيه إلا بعد اختيار الإمام الفداء أو غيره .

                                                                                                                            وعبارة حج في السير تصرح بذلك حيث قال في فصل نساء الكفار وصبيانهم إلخ : فإن كان المأخوذ ذكرا كاملا تخير الإمام فيه ، وعبارة الشارح أيضا في فصل الغنيمة بعد قول المصنف وكذا لو أسره : أي فإن له سلبه ، نصها : نعم لا حق له : أي للآسر في رقبته وفدائه لأن اسم السلب لا يقع عليهما ( قوله : نحو أخيه ) أي أخي البائع ( قوله : بذلك ) أي بدخوله في ملكه ( قوله : إذا قصد ) أي البائع ( قوله : أو زوج أمته ) يحتمل أن الأمة مثال فمثلها بنت مورثه التي هي أخته بأن أذنت له انتهى .

                                                                                                                            سم على منهج [ ص: 405 ] قوله : صح ) أي مع الحرمة ( قوله : في الأظهر ) هذا ظاهر إن كانت الصيغة على سبيل الجزم ، أما لو قال إن كان أبي مات فقد بعتكها ، فقياس ما مر للشارح فيما لو قال : إن كان اشتراه لي وكيلي بكذا فقد بعتكه أن يجري فيه التفصيل بين أن يخبر به ويصدق المخبر فيصح ، وبين ما إذا لم يخبر به أو أخبر ولم يصدق فإنه لا يصح ، ولكن تقدم أن مسألة الوكيل مشكلة بظاهر ما تقدم في إن كان ملكي فقد بعتكه ، وتقدم للشارح الفرق ثم بأن الشرط في هذه أثبته الله في أصل البيع فيكون اشتراطه كتحصيل الحاصل ، إذ لا يقع عقد البيع له إلا في ملكه ، ثم رأيت سم على حج صرح بذلك فيما ذكر ونحوه قال كما اعتمده الإسنوي أخذا من كلام ابن الصباغ في هذه ونظائرها ولم يذكر مقابل الأظهر ، وعبارة المحلي : والثاني لا يصح لظنه أنه ليس ملكه ( قوله : اعتبارا في العقود ) ومثلها العبادات ، فالعبرة فيما ، بما في نفس الأمر وظن المكلف بالنسبة لسقوط القضاء لا للاتصاف بالصحة فإن العبرة بالنسبة لها أيضا بما في ظن المكلف ، فمن ظن أنه متطهر ثم بان حدثه حكم على صلاته بالصحة وسقوط الطلب بها ، وإن وجب عليه القضاء بأمر جديد كما يصرح به كلام المحلي في شرح جمع الجوامع ( قوله : وبفرضه ) أي التلاعب ( قوله : والوقف هنا وقف تبين ) ويترتب على ذلك الزوائد فهي للمشتري من وقت العقد ( قوله : وإنما لم يصح تزويج الخنثى ) أي بأن يكون زوجا أو زوجة ، بخلاف ما لو زوج أخته مثلا بإذنها فإنه يصح لرجوع التردد في أمره للشك في ولاية العاقد ( قوله : وإن بان واضحا ) لا حاجة إلى الواو هنا ولا في قوله بعد ، ولو بانت إلخ بل تركها أظهر لوضوح البطلان عند عدم التبين ( قوله : وعلم مما تقرر ) أي من صحة بيع مال مورثه إلخ فإن الحاصل فيها عند العقد ظن عدم الملك



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : أو موليه ) أي ولو في خصوص هذا المال حيث جعل الشارح له ولاية عليه ، وهذا هو وجه الدخول الذي أشار إليه الشارح بعد ( قوله : والمراد أنه ) أي المبيع : أي لأن الكلام إنما هو في شروطه لا في شروط العاقد [ ص: 403 ] فلفظ فيه مقدر في كلام المصنف ( قوله : فإن العقد يقع للمالك موقوفا ) يجب حذف لفظ يقع وإلا لم يصح الجواب الآتي ( قوله : ولهذا أشار الشارح ) أي وأشار إليه هو أيضا فيما مر [ ص: 404 ] قوله : ورد بأن إرادته إلخ ) ليس في هذا اعتماد من الشارح لكلام الماوردي كما يعلم بتأمل بقية الكلام خلافا لما في حاشية الشيخ ( قوله : بل بالاستيلاء ) في هذا السياق تسمح لم يرد الشارح حقيقة مدلوله وحاصل المراد منه أنه لا يملك بالشراء وإنما يصير مستوليا عليه فهو غنيمة يختار الإمام إحدى الخصال بدليل قوله فيلزمه تخميسه أو تخميس فدائه ، فاندفع قول الشهاب سم قد يشكل قوله : أي الشهاب حج إذ ما هنا كعبارته أو تخميس فدائه إن اختاره الإمام لأنه إذا ملكه بالاستيلاء صار رقيقا فما معنى اختيار الإمام والفداء ( قوله ممن لا يعتق عليه ) من بيانية للنحو .

                                                                                                                            [ ص: 405 ] قوله : عدم الاختصاص بظن الملك إلخ ) يعني عدم اختصاص هذا الحكم بظن عدم الملك بل يجري في ظن فقد سائر




                                                                                                                            الخدمات العلمية