الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر ملك صلاح الدين ميافارقين

لما سار صلاح الدين إلى خلاط جعل طريقه على ميافارقين مطمع ملكها ، حيث كان صاحبه قطب الدين ، صاحب ماردين ، قد توفي كما ذكرنا ، وملك بعده ابنه ، وهو طفل ، وكان حكمها إلى شاه أرمن ، وعسكره فيها .

فلما توفي طمع في أخذها ، فلما نازلها رآها مشحونة بالرجال ، وبها زوجة قطب الدين المتوفى ، ومعها بنات لها منه ، وهي أخت نور الدين محمد ، صاحب الحصن ، فأقام صلاح الدين عليها يحصرها من أول جمادى الأولى .

وكان المقدم على أجنادها أميرا اسمه يرنقش ، ولقبه أسد الدين ، وكان شجاعا شهما ، يحفظ البلد ، فأحسن إليه ، واشتد القتال عليه ونصبت المجانيق [ ص: 9 ] والعرادات ، فلم يصل صلاح الدين إلى ما يريد منها .

فلما رأى ذلك عدل عن القوة والحرب إلى إعمال الحيلة ، فراسل امرأة قطب الدين المقيمة بالبلد يقول لها : إن أسد الدين يرنقش قد مال إلينا في تسليم البلد ونحن نرعى حق أخيه نور الدين فيك بعد وفاته ، ونريد أن يكون لك في هذا الأمر نصيب ، وأنا أزوج بناتك بأولادي وتكون ميافارقين وغيرها لك وبحكمك .

ووضع من أرسل إلى أسد يعرفه أن الخاتون قد مالت للمقاربة والانقياد إلى السلطان ، وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموا إليه ، فخذ لنفسك .

واتفق أن رسولا وصله من خلاط ، يبذلون له الطاعة ، وقالوا له من الاستدعاء إليهم ما كانوا يقولونه ، فأمر صلاح الدين الرسول ، فدخل إلى ميافارقين ، وقال لأسد : أنت عمن تقاتل ، وأنا قد جئت في تسليم خلاط إلى صلاح الدين ! فسقط في يده ، وضعفت نفسه .

وأرسل يقترح أقطاعا ومالا ، فأجيب إلى ذلك ، وسلم البلد سلخ جمادى الأولى ، وعقد النكاح لبعض أولاده على بعض بنات الخاتون ، وأقر بيدها قلعة الهتاخ لتكون فيها هي وبناتها .

التالي السابق


الخدمات العلمية