الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقوله : ( ( وأعلانا ) ) - معشر أمة هذا النبي الكريم ، والرسول الرءوف الرحيم - الرب الرحيم ، والإله الحكيم به - صلى الله عليه وسلم - ( ( على كل الأمم ) ) الماضية ، والملل الخالية بشاهد قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) - ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) وروى البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في قوله : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال : خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام .

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ولا يزال أناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون " . وروى مسلم وأبو داود والترمذي من حديث ثوبان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) ) وروي هذا من حديث سعد رواه مسلم ، ومن حديث معاوية رواه البخاري ومسلم ، ومن حديث عمران بن حصين رواه أبو داود ، ومن حديث غيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين .

وروى الترمذي من حديث أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " مثل أمتي مثل المطر لا يدرى آخره خير أم أوله " وقال : حديث حسن غريب . وروى النسائي من حديث ثوبان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار : عصابة تغزو الهند ، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم عليه السلام . وأخرج أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص: 272 ] - صلى الله عليه وسلم : أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الفتن والزلازل والقتل " . ورواه الطبراني في الكبير ، والحاكم في المستدرك ، والبيهقي في الشعب . وفي الصحيحين ، وغيرهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم - وفي رواية لمسلم - نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة - وفي رواية في الصحيحين : نحن الآخرون السابقون ، بيد - أي : غير - أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا " وفي الصحيحين ، وغيرهما من حديث أنس - رضي الله عنه : " أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض " . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبرنا ، ثم قال : أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ، قال : فكبرنا ، ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة ، وسأخبركم عن ذلك ، ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض " . هذا لفظ مسلم ، وعند البخاري ، وكشعرة سوداء بغير ألف ، يعني قبل الواو .

وروى الإمام أحمد والترمذي بإسناد على شرط الصحيح من حديث بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أهل الجنة عشرون ومائة صف ، هذه الأمة منها ثمانون صفا " . ورواه الطبراني في معجمه من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما . وروي نحوه من حديث ابن مسعود ، رواه الطبراني .

وروى عبد الله بن الإمام أحمد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : لما نزلت ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أنتم ربع أهل الجنة ، وأنتم ثلث أهل الجنة ، وأنتم نصف أهل الجنة ، وأنتم ثلثا أهل الجنة " . قال الطبراني : تفرد برفعه عبد الله بن المبارك عن الثوري .

وروي أيضا من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : أهل الجنة عشرون ومائة صف ، أنتم منها ثمانون صفا . رواه خيثمة بن سليمان القرشي . قال المحقق ابن القيم : وهذه الأحاديث [ ص: 273 ] قد تعددت طرقها ، واختلفت مخارجها ، وصح سند بعضها فلا تنافي بينها وبين حديث الشطر ، لأنه عليه السلام رجا أولا أن يكونوا شطر أهل الجنة ، فأعطاه الله سبحانه رجاءه ، وزاده عليه شيئا آخر ، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الزبير أنه سمع جابرا - رضي الله عنه - يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع أهل الجنة " ، قال فكبرنا ، قال : " فأرجو أن يكونوا الشطر " . وإسناده على شرط مسلم .

وروى الدارقطني من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها ، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي " قال المحقق ابن القيم في كتابه حادي الأرواح : فهذه الأمة أسبق الأمم خروجا من الأرض ، وأسبقهم إلى مكان في الموقف وأسبقهم إلى ظل العرش ، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم ، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط ، وأسبقهم إلى دخول الجنة ، فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد - صلى الله عليه وسلم - ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته .

التالي السابق


الخدمات العلمية