الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 150 ] الحديث الثلاثون

عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله فرض فرائض ، فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء ، فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان ، فلا تبحثوا عنها . حديث حسن ، رواه الدارقطني وغيره .

التالي السابق


هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ، وله علتان : إحداهما : أن مكحولا لم يصح له السماع من أبي ثعلبة ، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما .

والثانية : أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة ، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله ، لكن قال الدارقطني : الأشبه بالصواب المرفوع ، قال : وهو أشهر .

وقد حسن الشيخ رحمه الله هذا الحديث ، وكذلك حسن قبله الحافظ أبو بكر بن السمعاني في " أماليه " .

وقد روي معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر ، خرجه البزار في [ ص: 151 ] " مسنده " والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه الآية : وما كان ربك نسيا [ مريم : 64 ] ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، وقال البزار : إسناده صالح .

وقد خرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي ثعلبة ، وقال في آخره : رحمة من الله فاقبلوها ولكن إسناده ضعيف .

وخرجه الترمذي ، وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء ، فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه .

وقال الترمذي : رواه سفيان - يعني ابن عيينة - عن سليمان ، عن أبي عثمان ، عن سلمان من قوله ، قال : وكأنه أصح . وذكر في كتاب " العلل " عن البخاري أنه قال في الحديث المرفوع : ما أراه محفوظا ، وقال أحمد : هو منكر ، [ ص: 152 ] وأنكره ابن معين أيضا ، وقال أبو حاتم الرازي : هو خطأ ، رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ليس فيه سلمان .

قلت : وقد روي عن سلمان من قوله من وجوه أخر .

وخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر مرفوعا وضعف إسناده .

ورواه أبو صالح المري ، عن الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عائشة مرفوعا وأخطأ في إسناده .

وروي عن الحسن مرسلا .

وخرج أبو داود من حديث ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ، ويتركون أشياء تقذرا ، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأنزل كتابه ، وأحل حلاله وحرم حرامه ، فما أحل ، فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما [ الأنعام : 145 ] الآية ، وهذا موقوف .

وقال عبيد بن عمير : إن الله عز وجل أحل حلالا وحرم حراما ، وما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه ، فهو عفو .

فحديث أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعة أقسام : فرائض ، ومحارم ، وحدود ، ومسكوت عنه ، وذلك يجمع أحكام الدين كلها .

[ ص: 153 ] قال أبو بكر السمعاني : هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين ، قال : وحكي عن بعضهم أنه قال : ليس في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد أجمع بانفراده لأصول العلم وفروعه من حديث أبي ثعلبة ، قال : وحكي عن أبي واثلة المزني أنه قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات ، ثم ذكر حديث أبي ثعلبة .

قال ابن السمعاني : فمن عمل بهذا الحديث ، فقد حاز الثواب ، وأمن العقاب ؛ لأن من أدى الفرائض ، واجتنب المحارم ، ووقف عند الحدود ، وترك البحث عما غاب عنه ، فقد استوفى أقسام الفضل ، وأوفى حقوق الدين ، لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث انتهى .

فأما الفرائض فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به ، كالصلاة والزكاة والصيام والحج .

وقد اختلف العلماء : هل الواجب والفرض بمعنى واحد أم لا ؟ فمنهم من قال : هما سواء ، وكل واجب بدليل شرعي بكتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة الشرع فهو فرض ، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي وغيرهم ، وحكي رواية عن أحمد ؛ لأنه قال : كل ما في الصلاة فهو فرض .

ومنهم من قال : بل الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به ، والواجب ما ثبت بغير مقطوع به ، وهو قول الحنفية وغيرهم .

وأكثر النصوص عن أحمد تفرق بين الفرض والواجب ، فنقل جماعة من أصحابه عنه أنه قال : لا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى ، وقال في صدقة الفطر : ما أجترئ أن أقول : إنها فرض ، مع أنه يقول بوجوبها ، فمن أصحابنا من قال : مراده أن الفرض ما يثبت بالكتاب ، والواجب ما ثبت بالسنة ، ومنهم من قال : أراد أن الفرض ما ثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر ، والواجب ما ثبت من جهة الاجتهاد ، وساغ الخلاف في وجوبه .

[ ص: 154 ] ويشكل على هذا أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين : ليس بفرض ، ولكن أقول : واجب ما لم يكن معصية ، وبر الوالدين مجمع على وجوبه ، وقد كثرت الأوامر به في الكتاب والسنة ، فظاهر هذا أنه لا يقول : فرض ، إلا ما ورد في الكتاب والسنة فرضا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث