الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                      صفحة جزء
                                                                      1897 حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن أخبرني الشافعي عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجتك وعمرتك قال الشافعي كان سفيان ربما قال عن عطاء عن عائشة وربما قال عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها

                                                                      التالي السابق


                                                                      ( قال لها طوافك إلخ ) : فيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد ، وسعي واحد للحج والعمرة كما مر ، وإليه ذهب جماعة من الصحابة ابن عمر وجابر وعائشة ، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وداود وغيرهم . وذهبت الحنفية وجماعة إلى أنه لا بد من طوافين وسعيين ، والأحاديث متواردة على معنى حديث عائشة عن ابن عمر وجابر وغيرهما . واستدل من قال بالطوافين لقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ولا دليل في ذلك ، فإن التمام حاصل وإن لم يطف إلا طوافا واحدا . وقد اكتفى - صلى الله عليه وسلم - بطواف وسعي واحد وكان قارنا كما هو الحق . واعلم أن عائشة قد أهلت بعمرة ولكنها حاضت ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ارفضي عمرتك . قال النووي : معنى رفضها إياها رفض العمل فيها وإتمام أعمالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس ، فأمرها - صلى الله عليه وآله [ ص: 275 ] وسلم - بالإعراض عن أفعال العمرة ، وأن تحرم بالحج فتصير قارنة ، وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها إلا الطواف فتؤخره حتى تطهر .

                                                                      ومن أدلة أنها صارت قارنة قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - لها : " طوافك بالبيت " الحديث . فإنه صريح أنها كانت متلبسة بحج وعمرة . ويتعين تأويل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - ارفضي عمرتك بما ذكره النووي ، فليس معنى ارفضي العمرة الخروج منها وإبطالها بالكلية ، فإن الحج والعمرة لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بهما بنية الخروج ، وإنما يصح بالتحلل منهما بعد فراغهما ، قاله في سبل السلام . وأخرج عبد الرزاق عن طاوس بإسناد صحيح أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحجته وعمرته إلا طوافا واحدا . وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا بعد أن قال : إنه سنفعل كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - . وأخرج عنه من وجه آخر أنه رأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ، يعني الذي طاف يوم النحر للإفاضة ، وقال : كذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم . - وما أخرجه عبد الرزاق والدارقطني عن علي - رضي الله عنه - أنه جمع بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال الحافظ : وطرقه ضعيفة ، وكذا روى نحوه من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف ، ومن حديث ابن عمر بإسناد فيه الحسن بن عمارة وهو متروك . قال ابن حزم : لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة في ذلك شيء أصلا . وتعقبه في الفتح بأنه قد روى الطحاوي وغيره مرفوعا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها ، انتهى . فينبغي أن يصار إلى الجمع كما قال البيهقي إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين ، فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة ، وأما السعي مرتين فلم يثبت ، انتهى - والله أعلم - .

                                                                      قال المنذري : وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طاوس بن كيسان عن عائشة ، ومن حديث مجاهد بن جبر عن عائشة بمعناه .




                                                                      الخدمات العلمية