الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  738 160 - حدثنا مسدد قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : في كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى عنا أخفينا عنكم ، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو خير

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تفهم من قوله : " في كل صلاة يقرأ " لأن الترجمة في باب القراءة في الفجر ، وهو داخل في قوله : " كل صلاة " وقال بعضهم : وكأن المصنف قصد بإيراد حديثي أم سلمة وأبي برزة في هذا الباب بيان حالتي السفر والحضر ، ثم ثلث بحديث أبي هريرة الدال على عدم اشتراط قدر معين ، قلت : ليس في حديث أبي برزة ما يدل على حكم القراءة في السفر أو الحضر ، وإنما هو مطلق ، ولم يكن إيراده حديث أبي هريرة ، إلا أن صلاة الفجر لا بد لها من القراءة لدخولها تحت قوله : " في كل صلاة يقرأ " وقد علم أن لفظة كل إذا أضيفت إلى النكرة تقتضي عموم الإفراد .

                                                                                                                                                                                  ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : مسدد بن مسرهد ، الثاني : إسماعيل بن إبراهيم هو المعروف بابن علية ، الثالث : عبد الملك بن جريج ، الرابع : عطاء بن أبي رباح ، الخامس : أبو هريرة .

                                                                                                                                                                                  ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، وفي موضع بالإفراد ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه إسماعيل المذكور ، وقد تكلم فيه يحيى بن معين في حديثه ، عن ابن جريج خاصة ; لكن تابعه عليه عبد الرزاق ومحمد بن بكر وغندر عند أحمد وحبيب بن الشهيد وحبيب المعلم عند مسلم وخالد بن الحارث [ ص: 33 ] ورقية عند النسائي وابن وهب عند ابن خزيمة ، ثمانيتهم عن ابن جريج ، منهم من ذكر الكلام الأخير ومنهم من لم يذكره ، أما متابعة عبد الرزاق فأخرجها أحمد في مسنده عنه ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : " سمعت أبا هريرة يقول : في كل صلاة قراءة ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى عنا أخفينا عنكم ، فسمعته يقول : لا صلاة إلا بقراءة " وأما متابعة حبيب المعلم فأخرجها مسلم ، حدثنا يحيى بن يحيى قال : أخبرنا يزيد بن زريع ، عن حبيب المعلم ، " عن عطاء قال : قال أبو هريرة : في كل صلاة قراءة ، فما أسمعنا صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى منا أخفيناه منكم ، فمن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت منه ، ومن زاد فهو أفضل " وأخرجه الطحاوي أيضا ، وأخرجه أبو داود أيضا ، عن حبيب ، عن عطاء إلى " أخفينا عنكم " .

                                                                                                                                                                                  وأما متابعة رقية فأخرجها النسائي قال : حدثنا محمد بن قدامة قال : حدثنا جرير ، عن رقية " عن عطاء قال : قال أبو هريرة : كل صلاة يقرأ فيها ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفاها أخفينا منكم " .

                                                                                                                                                                                  وأما متابعة ابن وهب فأخرجها الطحاوي ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني ابن جريج " عن عطاء قال : «سمعت أبا هريرة يقول : في كل الصلاة قراءة ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفاه علينا أخفيناه عليكم " وروى الطحاوي أيضا ، عن محمد بن النعمان قال : حدثنا الحميد قال : حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء نحوه .

                                                                                                                                                                                  ( قيل ) هذا الحديث موقوف ( وأجيب ) بأن قوله : " ما أسمعنا " و " ما أخفى عنا " يشعر بأن جميع ما ذكره متلقى من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون للجميع حكم الرفع .

                                                                                                                                                                                  ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الصلاة ، عن عمرو الناقد وزهير بن حرب ، والنسائي عن محمد بن الأعلى ، وأخرجه أيضا عن محمد بن قدامة كما ذكرناه الآن .

                                                                                                                                                                                  ذكر معناه : قوله : " في كل صلاة يقرأ " على صيغة المجهول ، والجار والمجرور يتعلق بقوله : " يقرأ " أي يجب أن يقرأ القرآن في كل الصلوات ; لكن بعضها بالجهر وبعضها بالسر ، فما جهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جهرنا به ، وما أسر أسررنا به ، ويروى " يقرأ " على صيغة المعلوم ، أي يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كذا قاله الكرماني ، وقيل : ويروى " نقرأ " بالنون ، أي نحن نقرأ . قوله : " فما أسمعنا " بفتح العين ، وهي جملة من الفعل والمفعول ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله . قوله : " أسمعناكم " بسكون العين ، جملة من الفعل والفاعل وهو النون والمفعول وهو كم . قوله : " وما أخفى " كلمة ما موصولة ، وكذلك في " فما أسمعنا " قوله : “ وإن لم تزد " بتاء الخطاب ، وقد بينه ما في رواية مسلم ، عن أبي خيثمة وغيره ، عن إسماعيل " فقال له رجل : إن لم أزد " قوله : “ على أم القرآن “ أي الفاتحة ، وسميت بها لاشتمالها على المعاني التي في القرآن ، أو لأنها أول القرآن ، كما أن مكة سميت أم القرى لأنها أول الأرض وأصلها . قوله : " أجزأت " بلفظ الغيبة ، أي أجزأت الصلاة من الإجزاء ، وهو الأداء الكافي لسقوط التعبد به ، وحكى ابن التين لغة أخرى وهي أجزت بلا ألف أي قضت ، وقال الخطابي : جزى وأجزى مثل وفى وأوفى ، وقال ابن قرقول : أجزت عنك عند القابسي وعند غيره أجزأت . قوله : " فهو خير “ أي الزائد على أم القرآن خير ، وفي رواية حبيب المعلم " فهو أفضل " كما ذكرنا .

                                                                                                                                                                                  ذكر ما يستفاد منه : فيه وجوب القراءة في كل الصلوات ، وفيه رد على من أنكر وجوب القراءة مطلقا ، وعلى من أنكر وجوبها في الظهر والعصر ، وفيه الجهر فيما يجهر والإخفاء فيما يخفى ، وفي رواية الطحاوي في هذا الحديث ، قال أبو هريرة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيجهر ويخافت ، وكان جهره في بعض الصلوات كالمغرب والعشاء والصبح والجمعة وصلاة العيدين ، وفي بعضها كان يسر كالظهر والعصر وفي ثالثة المغرب وآخرتي العشاء ، وفي الاستسقاء يجهر عند أبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد ، وفي الخسوف والكسوف لا يجهر عند أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف : فيهما الجهر ، وقال الشافعي : في الكسوف يسر وفي الخسوف يجهر ، وأما بقية النوافل ففي النهار لا جهر فيها وفي الليل يتخير ، وقال النووي : وفي نوافل الليل قيل يجهر وقيل يخير بين الجهر والإسرار ، وفيه ما استدل به الشافعية على استحباب ضم السورة إلى الفاتحة وهو ظاهر الحديث ، وعند أصحابنا يجب ذلك ، وبه قال ابن كنانة من المالكية ، وحكي عن أحمد ، وعندنا ضم السورة أو ثلاث آيات من أي سورة شاء من واجبات الصلاة ، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة ، منها ما رواه أبو سعيد قال صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها " رواه ابن عدي في الكامل ، وفي لفظ : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ الفاتحة وما تيسر ، وفي لفظ : " لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها " وفي لفظ : " وسورة في فريضة أو في غيرها " ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو في غيرها " وروى أبو داود من حديث أبي نضرة عنه قال : [ ص: 34 ] " أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر " ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ الفاتحة وما تيسر " ورواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما ، وروى ابن عدي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدا " وروى أبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها " وقد عمل أصحابنا بكل الحديث حيث أوجبوا قراءة الفاتحة وضم سورة أو ثلاث آيات معها ; لأن هذه الأخبار أخبار آحاد فلا تثبت بها الفرضية ، وليس الفرض عندنا إلا مطلق القراءة لقوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر من القرآن فأمر بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا ، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص ، وذا لا يجوز فعملنا بالكل وأوجبنا قراءة الفاتحة وضم سورة أو ثلاث آيات معها ، وقلنا : إن قوله : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " مثل معنى قوله : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " وصح أيضا عن جماعة من الصحابة إيجاب ذلك ، وقال بعضهم : وفي الحديث أن من لم يقرأ الفاتحة لم تصح صلاته ، قلنا : لا تبطل صلاته ، فإن تركها عامدا فقد أساء وإن تركها ساهيا فعليه سجدة السهو ، فإن قلت : ليس في حديث الباب حد في الزيادة ، قلت : قد بينها في حديث ابن عمر المذكور آنفا .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية