الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جامع ما جاء في حد الزنا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب جامع ما جاء في حد الزنا

حدثني مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير قال ابن شهاب لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة قال يحيى سمعت مالكا يقول والضفير الحبل [ ص: 237 ]

التالي السابق


[ ص: 237 ] 3 - باب جامع : ما جاء في حد الزنى

1564 1505 - ( مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله ) بضم العين ( ابن عبد الله ) بفتحها ( ابن عتبة ) بضمها وسكون الفوقية ( ابن مسعود ) الهذلي ( عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ) بضم الجيم وفتح الهاء الصحابي الشهير المدني ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ) بضم أوله ولم يقف الحافظ على اسم السائل ( عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ) بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه بإسناد الإحصان إليها ; لأنها تحصن نفسها بعفافها ، وروي ولم تحصن بفتح الصاد بإسناد الإحصان إلى غيرها ، ويكون بمعنى الفاعل والمفعول وهو أحد الثلاثة التي جاءت نوادر ، يقال أحصن فهو محصن ، وأسهب فهو مسهب ، وألفج فهو ملفج قليل ، ويروى أيضا ولم تحصن بضم التاء وفتح الحاء وشد الصاد من باب التفعل ، والجملة في محل الحال من فاعل زنت ، وصحبت الواو مع لم على المختار عندهم ، وجاءت بلا واو في قوله تعالى : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ( سورة آل عمران : الآية 174 ) وزعم الطحاوي : تفرد مالك بقوله ولم تحصن ، أنكره عليه ابن عبد البر وغيره من الحفاظ بأنه لم يتفرد بها بل تابعه عليها ابن عيينة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، عن ابن شهاب فهي صحيحة ، وليست بقيد إنما هي حكاية حال في السؤال ، ولذا أجاب صلى الله عليه وسلم ( فقال : إن زنت فاجلدوها ) غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أن لا أثر له ، وأن موجبه في الأمة مطلق الزنى أو المراد بالإحصان المنفي الحرية كقوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ( سورة النساء : الآية 25 ) أو التي لم تتزوج أو لم تسلم كقوله تعالى : فإذا أحصن ( سورة النساء : الآية 25 ) الآية قيل معناه أسلمن وقيل تزوجن ، فليس المراد أنها ترجم إذا أحصنت بمعنى تزوجت ; لأنه خلاف الإجماع ، وصريح قوله : فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ( سورة النساء : الآية 25 ) فدل الحديث على جلد من لم تحصن ، والآية على جلد المحصن ، إذ الرجم لا ينتصف فتجلد ولو متزوجة عملا بالدليلين .

( ثم إن زنت ) ثانية ( فاجلدوها ) خطاب لملاكها ففيه أن السيد يقيم على رقيقه الحد وتسمع البينة عليهما ، [ ص: 238 ] وبه قال الأئمة الثلاث والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، خلافا لأبي حنيفة في آخرين ، لكن استثنى مالك القطع في السرقة ; لأن فيه مثلة فلا يؤمن السيد أن يمثل برقيقه فيمنع من مباشرته القطع سدا للذريعة .

( ثم إن زنت فاجلدوها ) ووقع في بعض الروايات زيادة الحد لكن قال أبو عمر : انفرد بها راويها ولا نعلم أحدا ذكره غيره .

( ثم بيعوها ) أتى بثم لأن الترتيب مطلوب لمن أراد التمسك بأمته الزانية ، أما من أراد بيعها من أول مرة فله ذلك ( ولو بضفير ) بضاد معجمة وفاء فعيل بمعنى مفعول ، عبر به مبالغة في التنفير عنها ، والحض على مباعدة الزانية لما فيه من الاطلاع على المنكر والمكروه والعون على الخبث ، قالت أم سلمة : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث .

وفسره العلماء بأولاد الزنى قاله ابن عبد البر ، ولو شرطية بمعنى إن أي وإن كان بضفير فيتعلق بخبر كان المقدرة ، وحذف كان بعد لو هذه كثير ، ويجوز أن التقدير ولو تبيعونها بضفير والأمر للاستحباب عند الجمهور ، خلافا للظاهرية في وجوب بيعها إذا زنت رابعة لأنه عطفه على الحد وهو واجب ، وتعقب بأن دلالة الاقتران ليست بحجة عند غير المزني وأبي يوسف .

( قال ابن شهاب لا أدري أبعد ) بهمزة الاستفهام أي هل أراد أن بيعها يكون بعد الزنية ( الثالثة أو الرابعة ) وجزم أبو سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا بأنه بعد الثالثة ولفظه : " ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر " ( قال مالك : والضفير الحبل ) قيل من سعف النخل ، وقيل من الشعر قاله أبو عمر ، ويؤيد الثاني الرواية المصرحة به وهذا على جهة التزهيد فيها وليس من إضاعة المال ، واستشكله ابن المنير بأنه صلى الله عليه وسلم نصح بإبعادها ، والنصيحة عامة للمسلمين ، فيدخل فيها المشتري فينصح في أن لا يشتريها ، فكيف يتصور نصيحة الجانبين وكيف يقع البيع إذا انتصحا معا ؟ وأجاب بأن المباعدة إنما توجهت على البائع ; لأنه الذي لدغ فيها مرة بعد أخرى ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، ولا كذلك المشتري فإنه لم يجرب منها سوءا ، فليست وظيفته في المباعدة كالبائع انتهى .

ولعلها أن تستعف عند المشتري بأن يزوجها أو يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته أو بالإحسان إليها ، وفيه جواز بيع الغبن ، وإن المالك الصحيح الملك يجوز له بيع ماله الكثير بالتافه اليسير ، ولا خلاف فيه إذ عرف قدره فإن لم يعرف فخلاف ، وحجة من أطلق : قوله صلى الله عليه وسلم : " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ولا يبع حاضر لباد " وفيه أن الزنى عيب يرد به الرقيق للأمر [ ص: 239 ] بالحط من قيمته إذا زنى ، وتوقف فيه ابن دقيق العيد لجواز أن القصد الأمر بالبيع ولو انحطت القيمة فيكون ذلك متعلقا بأمر وجودي لا إخبارا عن حكم شرعي ، إذ ليس في الحديث تصريح بالأمر من حط القيمة .

وأخرجه البخاري في البيع عن إسماعيل وفي المحاربين عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم في الحدود عن يحيى والقعنبي ، ومن طريق ابن وهب ، كلهم عن مالك به ، وتابعه يونس ويحيى بن سعيد ومعمر وغيرهم في الصحيحين وغيرهما عن ابن شهاب نحوه وله طرق عندهم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث