الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


عقد مجلس بسبب قاضي القضاة تاج الدين السبكي

ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول عقد مجلس حافل بدار السعادة ; بسبب ما رمي به قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي ، وكنت ممن طلب إليه ، فحضرته فيمن حضر ، وقد اجتمع فيه القضاة الثلاثة ، وخلق من المذاهب الأربعة ، وآخرون من غيرهم - بحضرة نائب الشام سيف الدين منكلي بغا ، وكان قد سافر هو إلى الديار المصرية إلى الأبواب الشريفة ، واستنجز كتابا إلى نائب السلطنة لجمع هذا المجلس ليسأل عنه الناس ، وكان قد كتب فيه محضران متعاكسان; أحدهما له والآخر عليه ، وفي الذي عليه خط القاضيين المالكي والحنبلي ، وجماعة آخرين ، وفيه عظائم ، وأشياء منكرة جدا ينبو السمع عن استماعه ، وفي الآخر خطوط جماعات من المذاهب بالثناء عليه ، وفيه خطي بأني ما رأيت عليه إلا خيرا . ولما اجتمعوا أمر نائب السلطنة بأن يمتاز هؤلاء عن هؤلاء في المجالس ، فصارت كل طائفة وحدها ، وتحاوروا فيما بينهم ، وناضل عنه نائبه [ ص: 709 ] القاضي شمس الدين الغزي ، والنائب الآخر بدر الدين بن وهيبة ، وغيرهما ، وصرح قاضي القضاة جمال الدين الحنبلي بأنه قد ثبت عنده ما كتب به خطه فيه ، وأجابه بعض الحاضرين منهم بدائم النفوذ ، فبادر القاضي الغزي ، فقال للحنبلي : أنت قد ثبتت عداوتك لقاضي القضاة تاج الدين .

فكثر القول ، وارتفعت الأصوات ، وكثر الجدال والمقال ، وتكلم قاضي القضاة جمال الدين المالكي أيضا بنحو ما قال الحنبلي ، فأجيب بمثل ذلك أيضا ، وطال المجلس ، فانفصلوا على مثل ذلك ، ولما بلغت الباب أمر نائب السلطنة برجوعي إليه ، فإذا بقية الناس من الطرفين ، والقضاة الثلاثة جلوس ، فأشار نائب السلطنة بالصلح بينهم وبين قاضي القضاة تاج الدين - يعني : وأن يرجع القاضيان عما قالا - فأشار الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل وأشرت أنا أيضا بذلك ، فلان المالكي وامتنع الحنبلي ، فقمنا والأمر باق على ما تقدم . ثم اجتمعنا يوم الجمعة بعد العصر عند نائب السلطنة عن طلبه ، فتراضوا كيف يكون جواب الكتابات مع مطالعة نائب السلطنة ، ففعل ذلك ، وسار البريد بذلك إلى الديار المصرية ، ثم اجتمعنا أيضا يوم الجمعة بعد الصلاة التاسع عشر من ربيع الآخر بدار السعادة ، وحضر القضاة الثلاثة وجماعة آخرون ، واجتهد نائب السلطنة في الصلح بين القضاة وقاضي الشافعية وهو بمصر ، فحصل خلف وكلام طويل ، ثم كان الأمر أن سكنت أنفس جماعة منهم إلى ذلك ، على ما سنذكره في الشهر الآتي .

وفي مستهل ربيع الآخر كانت وفاة المعلم داود الذي كان مباشرا لنظارة [ ص: 710 ] الجيش ، وأضيف إليه نظر الدواوين إلى آخر وقت فاجتمع له هاتان الوظيفتان ، ولم يجتمعا لأحد قبله كما في علمي ، وكان من أخبر الناس بنظر الجيش ، وأعلمهم بأسماء رجاله ومواضع الإقطاعات ، وقد كان والده نائبا لنظار الجيوش ، وكان يهوديا قرائيا ، فأسلم ولده هذا قبل وفاة نفسه بسنوات عشر أو نحوها ، وقد كان ظاهره جيدا ، والله أعلم بسره وسريرته ، وقد تمرض قبل وفاته بشهر أو نحوه ، حتى كانت وفاته في هذا اليوم ، فصلي عليه بالجامع الأموي تجاه النسر بعد العصر ، ثم حمل إلى تربة له أعدها في بستانه بجوبر ، وله من العمر قريب الخمسين .

وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهن مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهن ، وإن كان الجميع ظلما ، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم ، والله أعلم ، وفي يوم الاثنين الخامس عشر منه أمر نائب السلطنة - أعزه الله - بكبس بساتين أهل الذمة ، فوجد فيها من الخمر المعتصر من الخوابي والحباب ، فأريقت عن آخرها - ولله الحمد والمنة - بحيث جرت في الأزقة والطرقات ، وفاض نهر ثورا من ذلك ، وأمر بمصادرة أهل الذمة الذين وجد عندهم ذلك بمال جزيل وهم تحت الجباية ، وبعد أيام نودي في البلد بأن نساء [ ص: 711 ] أهل الذمة لا تدخل الحمامات مع المسلمات ، بل تدخل حمامات تختص بهن ، ومن دخل من أهل الذمة الرجال مع الرجال المسلمين يكون في رقاب الكفار علامات يعرفون بها من أجراس ، وخواتيم ، ونحو ذلك ، وأمر نساء أهل الذمة بأن تلبس المرأة خفيها مخالفين في اللون بأن يكون أحدهما أبيض ، والآخر أصفر أو نحو ذلك .

ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر - أعني : ربيعا الآخر - طلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتين; فمن ناحية الشافعي نائباه ، وهما القاضي شمس الدين الغزي ، والقاضي بدر الدين بن وهيبة ، والشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني ، والمصنف الشيخ عماد الدين بن كثير ، والشيخ بدر الدين حسن الزرعي ، والشيخ تقي الدين الفارقي ، ومن الجانب الآخر قاضيا القضاة جمال الدين المالكي والحنبلي ، والشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي ، والشيخ جمال الدين بن الشريشي ، والشيخ عز الدين بن حمزة ابن شيخ السلامية الحنبلي ، وعماد الدين الأخنائي ، فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر إيوان دار السعادة ، وجلس نائب السلطنة في صدر المكان ، وجلسنا حوله ، فكان أول ما قال : كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا ، فصرنا نحن إذا اختلفت العلماء واختصموا ، فمن يصلح بينهم ؟! وشرع في تأنيب من شنع على الشافعي بما تقدم ذكره من تلك الأقوال والأفاعيل التي كتبت في تلك الأوراق وغيرها ، وأن هذا يشفي الأعداء بنا ، وأشار بالصلح بين القضاة بعضهم من بعض ، فصمم بعضهم ، [ ص: 712 ] وامتنع من ذلك ، وجرت مناقشات من بعض الحاضرين فيما بينهم ، ثم حصل بحث في مسائل ، ثم قال نائب السلطنة أخيرا : أما سمعتم قول الله تعالى : عفا الله عما سلف [ المائدة : 95 ] . فلانت القلوب عند ذلك ، وأمر كاتب السر أن يكتب مضمون ذلك في مطالعة إلى الديار المصرية ، ثم خرجنا على ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث