الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( قال فما بال القرون الأولى ( 51 ) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ( 52 ) )

يقول تعالى ذكره : قال فرعون لموسى ، إذ وصف موسى ربه جل جلاله بما وصفه به من عظيم السلطان ، وكثرة الإنعام على خلقه والأفضال : فما شأن الأمم الخالية من قبلنا لم تقر بما تقول ، ولم تصدق بما تدعو إليه ، ولم تخلص له العبادة ، ولكنها عبدت الآلهة والأوثان من دونه ، إن كان الأمر على ما تصف من أن الأشياء كلها خلقه ، وأنها في نعمه تتقلب ، وفي مننه تتصرف ، فأجابه موسى فقال : علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما فعلت من ذلك ، عند ربي في كتاب : يعني في أم الكتاب ، لا علم لي بأمرها ، وما كان سبب ضلال من ضل منهم فذهب عن دين الله ( لا يضل ربي ) يقول : لا يخطئ ربي في تدبيره وأفعاله ، فإن كان عذب تلك القرون في عاجل ، وعجل هلاكها ، فالصواب [ ص: 319 ] ما فعل ، وإن كان أخر عقابها إلى القيامة ، فالحق ما فعل ، هو أعلم بما يفعل ، لا يخطئ ربي ( ولا ينسى ) فيترك فعل ما فعله حكمة وصواب .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا عبد الله قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ( في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ) يقول : لا يخطئ ربي ولا ينسى .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله ( فما بال القرون الأولى ) يقول فما أعمى القرون الأولى ، فوكلها نبي الله موكلا فقال ( علمها عند ربي ) . . . . الآية يقول : أي أعمارها وآجالها .

وقال آخرون : معنى قوله ( لا يضل ربي ولا ينسى ) واحد .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله ( لا يضل ربي ولا ينسى ) قال : هما شيء واحد .

حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله .

والعرب تقول : ضل فلان منزله : إذا أخطأه ، يضله بغير ألف ، وكذلك ذلك في كل ما كان من شيء ثابت لا يبرح ، فأخطأه مريده ، فإنها تقول : أضله ، فأما إذا ضاع منه ما يزول بنفسه من دابة وناقة وما أشبه ذلك من الحيوان الذي ينفلت منه فيذهب ، فإنها تقول : أضل فلان بعيره أو شاته أو ناقته يضله بالألف . وقد بينا معنى النسيان فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته .

التالي السابق


الخدمات العلمية