الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 46 ] ذكر شرور تحدث في هذه الأمة في آخر الزمان وإن كان قد وجد بعضها في زماننا أيضا

قال ابن ماجه في كتاب الفتن من " سننه " : حدثنا محمود بن خالد الدمشقي ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب ، عن ابن أبي مالك ، عن أبيه ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبد الله بن عمر ، قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا معشر المهاجرين ، خمس خصال إذا ابتليتم بهن ، وأعوذ بالله أن تدركوهن : لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها ، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم ، إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله ، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ، ويتخيروا مما أنزل الله ، إلا جعل الله بأسهم بينهم " . تفرد به ابن ماجه ، وفيه غرابة .

وقال الترمذي : حدثنا صالح بن عبد الله ، حدثنا الفرج بن فضالة أبو فضالة الشامي ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن عمر بن علي ، عن [ ص: 47 ] علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل فيها البلاء " . قيل : وما هي يا رسول الله؟ قال : " إذا كان المغنم دولا ، والأمانة مغنما ، والزكاة مغرما ، وأطاع الرجل زوجته ، وعق أمه ، وبر صديقه ، وجفا أباه ، وارتفعت الأصوات في المساجد ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، وأكرم الرجل مخافة شره ، وشربت الخمر ، ولبس الحرير ، واتخذت القينات ، والمعازف ، ولعن آخر هذه الأمة أولها ، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء ، أو خسفا ومسخا " . ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب ، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه ، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة ، ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه ، وقد روى عنه وكيع وغير واحد من الأئمة .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن الحسين القيسي ، حدثنا يونس بن أرقم ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن ، عن زيد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، فلما صلى صلاته ناداه رجل : متى الساعة؟ فزبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره ، وقال : " اسكت " . حتى إذا أسفر [ ص: 48 ] رفع طرفه إلى السماء ، فقال : " تبارك رافعها ومدبرها " . ثم رمى ببصره إلى الأرض ، فقال : " تبارك داحيها وخالقها " . ثم قال : " أين السائل عن الساعة؟ " فجثا الرجل على ركبتيه ، فقال : أنا بأبي وأمي سألتك . فقال : " ذلك عند حيف الأئمة ، وتصديق بالنجوم ، وتكذيب بالقدر ، وحتى تتخذ الأمانة مغنما ، والصدقة مغرما ، والفاحشة زيادة . فعند ذلك هلك قومك " . ثم قال البزار : لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ويونس بن أرقم كان صادقا ، روى عنه الناس ، وفيه شيعية شديدة .

ثم قال الترمذي : حدثنا علي بن حجر ، حدثنا محمد بن يزيد ، عن المستلم بن سعيد ، عن رميح الجذامي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا اتخذ الفيء دولا ، والأمانة مغنما ، والزكاة مغرما ، وتعلم لغير الدين ، وأطاع الرجل امرأته ، وعق أمه ، وأدنى صديقه ، وأقصى أباه ، وظهرت الأصوات في المساجد ، وساد القبيلة فاسقهم ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، وأكرم الرجل مخافة شره ، وظهرت القينات والمعازف ، وشربت الخمور ، ولعن آخر هذه الأمة أولها ، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء ، وخسفا ، ومسخا ، وقذفا ، وآيات تتابع ، كنظام بال قطع سلكه فتتابع " . وقال : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

[ ص: 49 ] حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي ، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس ، عن الأعمش ، عن هلال بن يساف ، عن عمران بن حصين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في هذه الأمة خسف ، ومسخ ، وقذف " . فقال رجل من المسلمين : ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال : " إذا ظهرت القينات والمعازف ، وشربت الخمور " . ثم قال : هذا حديث غريب ، وروي هذا الحديث عن الأعمش ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .

وقال الترمذي : حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي ، حدثنا زيد بن حباب ، أخبرني موسى بن عبيدة ، أخبرني عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا مشت أمتي المطيطاء ، وخدمها أبناء الملوك ، أبناء فارس والروم ، سلط شرارها على خيارها " . وهذا حديث غريب ، وقد رواه أبو معاوية ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، فذكره ، ولا نعرف له أصلا ، وقد رواه مالك ، عن يحيى بن سعيد ، مرسلا .

ثم روى من حديث صالح المري ، عن سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم سمحاءكم ، وأموركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير [ ص: 50 ] لكم من بطنها ، وإذا كان أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلاءكم ، وأموركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها " . ثم قال : غريب ، لا نعرفه إلا من حديث صالح المري ، وله غرائب لا يتابع عليها ، وهو رجل صالح .

وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من طريق مبارك بن حسان ، عن عمر بن عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنتم إذا طغى نساؤكم ، وفتق شأنكم؟ " قالوا : يا رسول الله ، وإن ذلك لكائن؟! قال : " وأشد من ذلك ، لا تأمرون بالمعروف ، ولا تنهون عن المنكر " . قالوا : وإن ذلك لكائن؟! قال : " وأشد من ذلك ، ترون المعروف منكرا والمنكر معروفا " . قالوا : وإن ذلك لكائن؟! قال : " وأشد منه; تأمرون بالمنكر وتنهون عن المعروف " . قالوا : وإن ذلك لكائن؟ قال : " وأشد من ذلك " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بئس أولئك القوم ، وبئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وبئس القوم قوم يستحلون المحرمات والشهوات بالشبهات ، وبئس القوم قوم يمشي المؤمن بين أظهرهم بالتقية والكتمان " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا عباد بن عباد ، عن مجالد بن سعيد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتضربن مضر عباد الله حتى لا يعبد لله اسم ، وليضربنهم المؤمنون حتى لا يمنعوا ذنب تلعة " . تفرد به أحمد من هذا الوجه .

[ ص: 51 ] وقال أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، يعني ابن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " .

ورواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ، زاد أبو داود : وعن قتادة ، كلاهما عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، به ، وسيأتي في ذكر أشراط الساعة حديث ابن مسعود ، وفيه : " وتزخرف المحاريب ، وتخرب القلوب " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن عثمان بن عمير ، عن زاذان أبي عمر ، عن عليم ، قال : كنا جلوسا على سطح ، معنا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال يزيد : لا أعلمه إلا عبسا الغفاري - والناس يخرجون في الطاعون ، فقال عبس : يا طاعون ، خذني . ثلاثا يقولها ، فقال له عليم : لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يتمنى أحدكم الموت؟ فإنه عند انقطاع عمله ، ولا يرد فيستعتب " . فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بادروا بالموت ستا : إمرة السفهاء ، وكثرة الشرط ، وبيع الحكم ، واستخفافا بالدم ، وقطيعة الرحم ، ونشوا يتخذون القرآن مزامير [ ص: 52 ] يقدمونه يغنيهم وإن كان أقل منهم فقها " . تفرد به أحمد .

وفي رواية أبي معلى عن الحكم بن عمرو مثله أو نحوه ، كما ذكرنا في الزيادات على " مسند أحمد " ، والله سبحانه أحمد ، وقد قال الطبراني : حدثنا ابن إسحاق التستري ، حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي ، حدثنا جميل بن عبيد الطائع ، حدثنا أبو معلى ، قال : قال الحكم الغفاري : يا طاعون ، خذني إليك . فقال له رجل من القوم : لم تقول هذا ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يتمنين أحدكم الموت " ؟ فقال : قد سمعت ما سمعتم ، ولكني أبادر ستا : بيع الحكم ، وكثرة الشرط ، وإمارة الصبيان ، وسفك الدماء ، وقطيعة الرحم ، ونشوا يكونون في آخر الزمان يتخذون القرآن مزامير .

وروى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ " . قيل : ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال : " إذا ظهرت المعازف والقينات ، واستحلت الخمر " . له شاهد في " صحيح البخاري " من حديث أبي مالك أو أبي عامر ، كما جزم به البخاري .

وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط ، [ ص: 53 ] سمعت أبي يذكر عن حذيفة ، قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، فقال : " علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ، ولكن أخبركم بمشاريطها ، وما يكون بين يديها ، إن بين يديها فتنا وهرجا " . قالوا : يا رسول الله ، الفتنة عرفناها ، فالهرج ما هو؟ قال : " هو بلسان الحبشة القتل " . قال : " ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا " . تفرد به أحمد .

وقال أحمد أيضا : ثنا أبو المغيرة ، ثنا صفوان ، حدثني السفر بن نسير الأزدي وغيره ، عن حذيفة بن اليمان ، أنه قال : يا رسول الله ، إنا كنا في شر ، فذهب الله بذلك الشر ، وجاء بخير على يديك ، فهل بعد الخير من شر؟ قال : " نعم " . قلت : ما هو؟ قال : " فتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا ، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر لا تدرون أيا من أي " .

وقال أحمد : ثنا سليمان ، ثنا إسماعيل ، حدثني عمرو ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي ، عن حذيفة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم ، وتجتلدوا بأسيافكم ، ويرب دنياكم شراركم " .

وبه : " لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع " . وقال الطبراني : ثنا الحسين بن إسحاق التستري ، ثنا عمرو بن هشام [ ص: 54 ] أبو أمية الحراني ، ثنا عثمان بن عبد الرحمن ، عن صدقة ، عن زيد بن واقد ، عن العلاء بن الحارث ، عن حزام بن حكيم بن حزام ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه ، قليل خطباؤه ، كثير معطوه ، قليل سائلوه ، العمل فيه خير من العلم ، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه ، كثير خطباؤه ، كثير سؤاله ، قليل معطوه ، العلم فيه خير من العمل " .

وقال أحمد : ثنا حماد بن أسامة ، أخبرني مسعر ، عن عبد الملك ، عن هلال بن يساف ، عن عبد الله بن ظالم ، عن سعيد بن زيد قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنا كقطع الليل المظلم ، أراه قال : " فيذهب الناس أسرع ذهاب " . قال : فقيل : يا رسول الله ، كلهم هالك أو بعضهم؟ قال : " حسبهم - أو : بحسبهم - القتل " . تفرد به .

وقال أحمد أيضا : ثنا عبد الرحمن ، ثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان ، عن خالد بن عرفطة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا خالد ، إنها ستكون بعدي أحداث وفتن ، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل " .

وروى الطبراني من حديث ثابت بن عجلان ، حدثني أبو كثير المحاربي ، [ ص: 55 ] سمعت خرشة المحاربي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ستكون فتن ، النائم فيها خير من اليقظان ، والجالس فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، ألا فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى الصفا فليضرب به حتى ينكسر ، ثم ليضطجع حتى تنجلي عما انجلت " . وذكر الحديث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث