الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا لا يصح أمانه لما بينا ( ولا يجوز أمان العبد المحجور عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال . وقال محمد يصح ) وهو قول الشافعي ، وأبو يوسف معه في رواية ، ومع أبي حنيفة في رواية [ ص: 466 ] لمحمد قوله عليه الصلاة والسلام { أمان العبد أمان } رواه أبو موسى الأشعري ، ولأنه مؤمن ممتنع فيصح أمانه اعتبارا بالمأذون له في القتال وبالمؤيد من الأمان ، فالإيمان لكونه شرطا للعبادة ، والجهاد عبادة ، والامتناع لتحقق إزالة الخوف به ، والتأثير إعزاز الدين وإقامة المصلحة في حق جماعة المسلمين ; إذ الكلام في مثل هذه الحالة ، وإنما لا يملك المسايفة لما فيه من تعطيل منافع المولى ولا تعطيل في مجرد القول . ولأبي حنيفة أنه محجور عن القتال فلا يصح أمانه لأنهم لا يخافونه فلم يلاق الأمان محله ، [ ص: 467 ] بخلاف المأذون له في القتال لأن الخوف منه متحقق ، ولأنه إنما لا يملك المسايفة لما أنه تصرف في حق المولى على وجه لا يعري عن احتمال الضرر في حقه ، والأمان نوع قتال وفيه ما ذكرناه ; لأنه قد يخطئ بل هو الظاهر ، وفيه سد باب الاستغنام ، بخلاف المأذون لأنه رضي به والخطأ نادر لمباشرته القتال ، وبخلاف المؤبد لأنه خلف عن الإسلام فهو بمنزلة الدعوة إليه ، ولأنه مقابل بالجزية ولأنه مفروض عند مسألتهم ذلك ، وإسقاط الفرض نفع فافترقا . [ ص: 468 ] ولو أمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح كالمجنون وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فعلى الخلاف ، وإن كان مأذونا له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق .

التالي السابق


( قوله ومن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا لم يصح أمانه لما بينا ) من أن الأمان يختص بمحل الخوف ولا خوف منه حال كونه مقيما في دارهم لا منعة له ولا قوة دفاع ( قوله ولا يصح أمان العبد المحجور عليه عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال ، وقال محمد يصح . وهو قول الشافعي ) وبه قال مالك وأحمد ( وأبو يوسف في رواية ) لإطلاق الحديث المذكور وهو قوله { ويسعى بذمتهم [ ص: 466 ] أدناهم } ( و ) لما ( روى أبو موسى الأشعري من قوله عليه الصلاة والسلام { أمان العبد أمان } ولأنه مؤمن ممتنع ) أي له قوة يمتنع بها ويضر غيره ( فيصح أمانه اعتبارا بالمأذون له في القتال والمؤبد من الأمان ) وهو عقد الذمة ، فإن العبد المحجور إذا عقد الذمة لأهل مدينة صح ولزم وصاروا أهل ذمة ، فهذا وهو الموقت من الذمة أولى بالصحة ، وهذا لأن ذلك تمام المؤثر في صحة الأمان .

أما الإيمان فلأنه شرط للعبادات والجهاد من أعظمها .

وأما اعتبار الامتناع فلتحقق إزالة الخوف وبذلك يتحقق المؤثر الجامع بين الأصل والفرع ، وهو ( إعزاز الدين وإقامة مصلحة المسلمين ; إذ الكلام في مثل هذه الحالة ) لا فيما لا مصلحة فيه ( وإنما لا يملك المسايفة ) أي الجهاد بالسيف لتعريض منافعه المملوكة للمولى على الفوات بأن يقتل ، وهذا المانع إنما يؤثر في الجهاد بذلك الوجه لا بوجه إعطاء الأمان لمصلحة المسلمين ، فلم يبق بينه وبين المحجور عليه في هذا النوع من الجهاد فرق فيجب اعتباره منه ( ولأبي حنيفة ) ومالك في رواية سحنون عنه ( أنه محجور عن القتال فلا يصح أمانه ) لانتفاء الخوف منه ( فلم يلاق الأمان محله ) وهو الخائف من المؤمن فلم يحصل المؤثر فيه وهو الإعزاز لأنه ممن لا يخاف منه ولا المصلحة ، لأن الظاهر أنه يخطئ لأن معرفة المصلحة في الأمان إنما تقوم بمن يباشر القتال وهو المأذون لأنه أدرى بالأمر من غير الممارس له . [ ص: 467 ] وفي خطئه سد باب الاستغنام على مولاه وعلى المسلمين فلم يعر عن احتمال الضرر احتمالا راجحا ( بخلاف ) العبد ( المأذون ، وبخلاف ) الأمان ( المؤبد ) بإعطاء الجزية ( لأنه خلف عن الإسلام فهو بمنزلة الدعوة إلى الإسلام ) ولكل مسلم عبد أو حر ذلك ( ولأنه مقابل بالجزية ) فالمصلحة للسيد ولعامة المسلمين محققة فيه ( ولأنه مفروض عند مسألتهم ) لأن الله تعالى غيا قتالهم به قوله تعالى { حتى يعطوا الجزية } ففي عقد الذمة لهم ( إسقاط الفرض ) عن الإمام وعامة المسلمين ، وهو كذلك ( نفع ) محقق ( فافترقا ) واعلم أن وجه العامة تضمن قياسين : قياس أمان المحجور على أمان المأذون في القتال ، وقياس أمان المحجور على عقد الذمة من المحجور . ولا شك أن فرق أبي حنيفة في الثاني متجه . وأما دفعه القياس الأول فلا لأنه إن فرق بأنه لا يخاف منه ، والآخر يخاف منه فالظاهر أن ذلك بالنسبة إلى أهل الحرب غير معلوم ، فإنهم لا يعرفون المأذون له فيخافونه من غيره فلا يخافونه بل كل من رأوه مع المسلمين سوى البنية فهو مخوف لهم .

وأما بأن الظاهر خطؤه في المصلحة فلا تأثير له لأن الأمان غير لازم إذا لم يكن فيه مصلحة ، بل إذا كان كذلك نبذ إليهم الإمام به . نعم الاستدلال بالحديث المروي عن أبي موسى غير تام لأنه حديث لا يعرف . فإن قلت : فقد روى عبد الرزاق : حدثنا معمر عن عاصم بن سليمان عن فضيل بن يزيد الرقاشي قال : شهدت قرية من قرى فارس يقال لها شاهرتا ، فحاصرناها شهرا ، حتى إذا كنا ذات يوم وطمعنا أن نصبحهم انصرفنا عنهم عند المقيل ، فتخلف عبد منا فاستأمنوه فكتب إليهم أمانا ثم رمى به [ ص: 468 ] إليهم ، فلما رجعنا إليهم خرجوا إلينا في ثيابهم ووضعوا أسلحتهم ، فقلنا لهم : ما شأنكم ، فقالوا أمنتمونا وأخرجوا إلينا السهم فيه كتاب بأمانهم ، فقلنا : هذا عبد والعبد لا يقدر على شيء ، قالوا : لا ندري عبدكم من حركم وقد خرجنا بأمان ، فكتبنا إلى عمر رضي الله عنه ، فكتب : إن العبد المسلم من المسلمين ، وأمانه أمانهم .

ورواه ابن أبي شيبه وزاد : وأجاز عمر أمانه . فالجواب أنها واقعة حال فجاز كونه مأذونا له في القتال ، وأيضا جاز كونه محجورا والأمان كان عقد ذمة وأنه يصح منه والله أعلم ; إلا أن إطلاق عمر قوله العبد المسلم من المسلمين وأمانه أمانهم في رواية عبد الرزاق يقتضي إناطته مطلقا بذلك والحديث جيد وفضيل بن يزيد الرقاشي وثقه ابن معين ( قوله وإن أمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح ) بإجماع الأئمة الأربعة ( كالمجنون وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فعلى الخلاف ) بين أصحابنا لا يصح عند أبي حنيفة ويصح عند محمد ، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وأحمد في وجه لأن قوله غير معتبر كطلاقه وعتاقه ، وبقول محمد قال مالك وأحمد ( وإن كان مأذونا له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق ) بين أصحابنا ، وبه قال مالك وأحمد لأنه تصرف دائر بين النفع والضرر فيملكه الصبي المأذون ، والمراد بكونه يعقل أن يعقل الإسلام ويصفه ، وأضاف أبا يوسف إلى أبي حنيفة في السير الكبير في عدم الصحة ، وإنما قال المصنف : والأصح والله أعلم لأنه أطلق المنع في الصبي المراهق عن أبي حنيفة كما نقله الناطفي في الأجناس ناقلا عن السير الكبير فقال : قال محمد : الغلام الذي راهق الحلم وهو يعقل الإسلام ويصفه جاز له أمانه ، ثم قال : وهذا قوله ، فأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلا يجوز ، وكذا وقع الإطلاق في كفاية البيهقي فقال : لا يجوز أمان الصبي المراهق ما لم يبلغ عند أبي حنيفة ، وعند محمد يجوز إذا كان يعقل الإسلام وصفاته ، وكذا المختلط العقل لأنه من أهل القتال كالبالغ إلا أنه يعتبر أن يكون مسلما بنفسه ، فهذا كما ترى إجراء للخلاف في الصبي مطلقا .

قال المصنف : والأصح التفصيل بين كون العاقل محجورا عن القتال أو مأذونا له فيه ، ففي الثاني لا خلاف في صحة الأمان . هذا ومن ألفاظ الأمان قولك للحربي لا تخف ولا توجل أو مترسيت أو لكم عهد الله أو أو ذمة الله أو تعال فاسمع الكلام ، ذكره في السير الكبير . وقال الناطفي في السير إملاء : سألت أبا حنيفة عن الرجل يشير بأصبعه إلى السماء لرجل من العدو ، فقال : ليس هذا بأمان ، وأبو يوسف استحسن أن يكون أمانا ، وهو قول محمد والله أعلم . .




الخدمات العلمية