الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            النعمة الثالثة : قوله : ( وسبلا لعلكم تهتدون ) وهي أيضا معطوفة على قوله : ( وألقى في الأرض رواسي ) والتقدير : وألقى في الأرض سبلا ومعناه : أنه تعالى أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم ، ونظيره قوله تعالى في آية أخرى : ( وسلك لكم فيها سبلا ) [ طه : 53 ] وقوله : ( لعلكم تهتدون ) أي : لكي تهتدوا .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات مخصوصة حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال : ( وعلامات ) وهي أيضا معطوفة على قوله : ( في الأرض رواسي ) والتقدير : وألقى في الأرض رواسي وألقى فيها أنهارا وسبلا وألقى فيها علامات ، والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي الأشياء التي بها يهتدى ، وهذه العلامات هي الجبال والرياح ، ورأيت جماعة يشمون التراب ، وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق . قال الأخفش : تم الكلام عند قوله : ( وعلامات ) وقوله : ( وبالنجم هم يهتدون ) كلام منفصل عن الأول ، والمراد بالنجم الجنس كقولك : كثر الدرهم في [ ص: 10 ] أيدي الناس . وعن السدي : هو الثريا ، والفرقدان ، وبنات نعش ، والجدي ، وقرأ الحسن : ( وبالنجم ) بضمتين وبضمة فسكون ، وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل : حذف الواو من النجم تخفيفا .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : قوله : ( أن تميد بكم ) خطاب للحاضرين وقوله : ( وبالنجم هم يهتدون ) خطاب للغائبين ، فما السبب فيه ؟ .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : إن قريشا كانت تكثر أسفارها لطلب المال ، ومن كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم ، فقوله : ( وبالنجم هم يهتدون ) إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            واختلف المفسرون : فمنهم من قال : قوله : ( وبالنجم هم يهتدون ) مختص بالبحر ، لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر وما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه يهتدون بالنجم ، ومنهم من قال : بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر والبحر وهذا القول أولى ; لأنه أعم في كونه نعمة ، ولأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في الوقتين معا ، ومن الفقهاء من يجعل ذلك دليلا على أن المسافر إذا عميت عليه القبلة ، فإنه يجب عليه أن يستدل بالنجوم وبالعلامات التي في الأرض ، وهي الجبال والرياح ، وذلك صحيح ; لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في معرفة الطرق والمسالك فكذلك يمكن الاستدلال بها في معرفة طلب القبلة .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن اشتباه القبلة إما أن يكون بعلامات لائحة أو لا يكون ، فإن كانت لائحة وجب أن يجب الاجتهاد ويتوجه إلى حيث غلب على الظن أنه هو القبلة ، فإن تبين الخطأ وجب الإعادة ، لأنه كان مقصرا فيما وجب عليه ، وإن لم تظهر العلامات فههنا طريقان :

                                                                                                                                                                                                                                            الطريق الأول : أن يكون مخيرا في الصلاة إلى أي جهة شاء ; لأن الجهات لما تساوت وامتنع الترجيح لم يبق إلا التخيير .

                                                                                                                                                                                                                                            والطريق الثاني : أن يصلي إلى جميع الجهات ، فحينئذ يعلم بيقين أنه خرج عن العهدة ، وهذا كما يقوله الفقهاء : فيمن نسي صلاة لا يعرفها بعينها أن الواجب عليه في القضاء أن يأتي بالصلوات الخمس ليكون على يقين من قضاء ما لزمه ، ومنهم من يقول : الواجب منها واحدة فقط وهذا غلط ; لأنه لما لزمه أن يفعل الكل كان الكل واجبا وإن كان سبب وجوب كل هذه الصلوات فوت الصلاة الواحدة ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية