الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 328 ] ذكر أمر هذه النار ، وحشرها الناس إلى أرض الشام

ثبت في " الصحيحين " من حديث وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحشر الناس على ثلاث طرائق : راغبين وراهبين . واثنان على بعير ، وثلاثة على بعير . وأربعة على بعير ، وعشرة على بعير . وتحشر بقيتهم النار ، تقيل معهم حيث قالوا ، وتبيت معهم حيث باتوا ، وتصبح معهم حيث أصبحوا ، وتمسي معهم حيث أمسوا " .

وروى أحمد ، عن عفان ، عن حماد ، عن ثابت ، عن أنس ، أن عبد الله بن سلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول أشراط الساعة ; فقال : " نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب " . الحديث بطوله ، وهو في " الصحيح " .

وروى الإمام أحمد ، عن حسن ، وعفان ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أوس بن خالد ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف; صنف مشاة ، وصنف ركبان ، وصنف على وجوههم " . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال : " إن [ ص: 329 ] الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك " .

وقد رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " ، عن حماد بن سلمة ، بنحو من هذا السياق .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنها ستكون هجرة بعد هجرة ، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم ، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها ، تلفظهم أرضوهم ، وتقذرهم نفس الرحمن عز وجل ، تحشرهم النار مع القردة والخنازير ، تبيت معهم إذا باتوا ، وتقيل معهم إذا قالوا ، وتأكل من تخلف " . وروى الطبراني من حديث المهلب بن أبي صفرة ، عن عبد الله بن عمرو ، بنحوه .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " البعث والنشور " : أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد ، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي ، حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، حدثنا زيد بن [ ص: 330 ] الحباب ، أخبرني الوليد بن جميع القرشي ( ح ) .

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، حدثنا سعيد بن مسعود ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأ الوليد بن عبد الله بن جميع ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري : سمعت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه ، وتلا هذه الآية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما [ الإسراء : 97 ] . فقال أبو ذر : حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج ، فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم . قلنا : قد عرفنا هذين ، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال : " يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا يبقى ذات ظهر ، حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب " . لفظ الحاكم .

وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن يزيد بن هارون ، ولم يذكر تلاوة أبي ذر للآية ، وزاد في آخره : " فلا يقدر عليها " .

وفي مسند الإمام أحمد من حديث بهز وغيره ، عن أبيه حكيم بن معاوية ، عن جده معاوية بن حيدة القشيري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ ص: 331 ] " تحشرون ههنا - وأومأ بيده إلى نحو الشام - مشاة ، وركبانا ، وتجرون على وجوهكم ، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام ، فأول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه " . وقد رواه الترمذي ، عن أحمد بن منيع ، عن يزيد بن هارون ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، بنحوه ، وقال : حسن صحيح .

وقال أحمد : ثنا عثمان بن عمر ، ثنا عبد الحميد بن جعفر ، قال . : ثنا أبو جعفر محمد بن علي ، عن رافع بن بشر السلمي ، عن أبيه؟ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يوشك أن تخرج نار من حبس سيل تسير سير بطيئة الإبل ، تسير النهار وتقيم الليل ، تغدو وتروح ، يقال : غدت النار يا أيها الناس فاغدوا ، قالت النار يا أيها الناس فقيلوا ، راحت النار يا أيها الناس فروحوا . من أدركته أكلته " . تفرد به . ورواه أبو نعيم في ترجمة بشر أبي رافع السلمي ، وفيه . " تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " .

[ ص: 332 ] فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر ، وهي أرض الشام ، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة; فقسم طاعمين كاسين راكبين ، وقسم يمشون تارة ويركبون أخرى ، وهم يعتقبون على البعير الواحد ، كما تقدم في " الصحيحين " : " اثنان على بعير ، وثلاثة على بعير " . إلى أن قال : " وعشرة على بعير " . يعتقبونه من قلة الظهر ، كما تقدم . وكما جاء مفسرا في الحديث الآخر ، " وتحشر بقيتهم النار " . وهي التي تخرج من قعر عدن ، فتحيط بالناس من ورائهم ، تسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر ، ومن تخلف منهم أكلته .

وهذا كله مما يدل على أن هذا إنما يكون في آخر الزمان آخر الدنيا ، حيث يكون الأكل والشرب والركوب موجودا ، والمشترى وغيره ، وحيث تهلك المتخلفين منهم النار ، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موت ، ولا ظهر يشترى ، ولا أكل ولا شرب ولا لبس في العرصات .

والعجب كل العجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي بعد روايته لأكثر هذه الأحاديث حمل هذا الركوب على أنه يوم القيامة ، وصحح ذلك ، وضعف ما قلناه ، واستدل على ما ذهب إليه بقوله تعالى : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا [ مريم : 85 ، 86 ] .

[ ص: 333 ] وكيف يصح ما ادعاه في تفسير الآية بالحديث ، وفيه أن منهم : " اثنان على بعير ، وثلاثة على بعير ، وعشرة على بعير " ، وقد جاء التصريح بأن ذلك من قلة الظهر؟! هذا لا يلتئم مع هذا ، والله أعلم ، فإن نجائب المتقين من الجنة ، يركبونها من العرصات إلى الجنات على غير هذه الصفة ، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه .

فأما الحديث الآخر الوارد من طرق ، عن جماعة من الصحابة ، منهم ابن عباس ، وابن مسعود ، وعائشة ، وغيرهم : " إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا : كما بدأنا أول خلق نعيده [ الأنبياء : 104 ] " . فذلك حشر غير هذا ، ذاك في يوم القيامة بعد نفخة البعث ، يوم يقوم الناس من قبورهم حفاة عراة غرلا ، أي غير مختتنين ، وكذلك حشر الكافرين إلى جهنم وردا; أي عطاشا .

وقوله تعالى : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا [ الإسراء : 97 ] . فذلك إنما يحصل لهم حين يؤمر بهم إلى النار من مقام المحشر ، كما سيأتي بيان ذلك كله في مواضعه ، إن شاء الله تعالى .

وقد ذكر في حديث الصور : أن الأموات لا يشعرون بشيء مما يقع من ذلك بسبب نفخة الفزع ، وأن الذين استثنى الله تعالى إنما هم الشهداء ، [ ص: 334 ] لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، فهم يشعرون بها ولا يفزعون منها ، وكذلك لا يصعقون بسبب نفخة الصعق .

وقد اختلف المفسرون في المستثنين منها على أقوال : أحدها هذا ، كما جاء مصرحا به فيه ، وقيل : بل هم جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت . وقيل : وحملة العرش . وقيل غير ذلك ، فالله أعلم .

وقد ذكر في حديث الصور أنه يطول على أهل الدنيا مدة ما بين نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، وهم يشاهدون تلك الأهوال ، والأمور العظام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث