الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

فكان جملة من شهد بدرا من المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ، منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال البخاري : حدثنا عمرو بن خالد ، ثنا زهير ثنا أبو إسحاق ، سمعت البراء بن عازب يقول : حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ورضي عنهم ، ممن شهد بدرا ، أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، بضعة عشر وثلاثمائة . قال البراء : لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن . ثم رواه البخاري من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن البراء نحوه .

قال ابن جرير : وهذا قول عامة السلف ، أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا . [ ص: 250 ] وقال البخاري أيضا : حدثنا محمود ، ثنا وهب ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر ، وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين ، والأنصار نيفا وأربعين ومائتين . هكذا وقع في هذه الرواية .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، ثنا أبو مالك الجنبي ، عن الحجاج وهو - ابن أرطاة - عن الحكم ، عن مقسم عن ابن عباس قال : كان المهاجرون يوم بدر سبعين رجلا ، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا ، وكان حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، وحامل راية الأنصار سعد بن عبادة . وهذا يقتضي أنهم كانوا ثلاثمائة وستة رجال . قال ابن جرير : وقيل : كانوا ثلاثمائة وسبعة رجال .

قلت : وقد يكون هذا عد معهم النبي صلى الله عليه وسلم ، والأول عدهم بدونه . فالله أعلم . وقد تقدم عن ابن إسحاق أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلا ، وأن الأوس أحد وستون رجلا ، والخزرج مائة وسبعون رجلا ، وسردهم وهذا مخالف لما ذكره البخاري ، ولما روي عن ابن عباس فالله أعلم . [ ص: 251 ] وفي " الصحيح " عن أنس ، أنه قيل له شهدت بدرا ؟ فقال : وأين أغيب ؟

وفي سنن أبي داود عن سعيد بن منصور ، عن أبى معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع ، عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أنه قال : كنت أميح لأصحابي الماء يوم بدر . وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء . فالله أعلم .

قلت : وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها ، تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببه ، وكانوا ثمانية أو تسعة ، وهم ، عثمان بن عفان ، تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت ، فضرب له بسهمه وأجره ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، كان بالشام ، فضرب له بسهمه وأجره ، وطلحة بن عبيد الله ، كان بالشام أيضا فضرب له بسهمه وأجره ، وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر ، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة ، فاستعمله على المدينة ، وضرب له بسهمه وأجره ، والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية ، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا من الطريق ، وضرب له بسهمه وأجره ، والحارث بن الصمة ، كسر بالروحاء فرجع ، فضرب له بسهمه - زاد [ ص: 252 ] الواقدي : وأجره - وخوات بن جبير ، لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره ، وأبو الضياح بن ثابت ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصاب ساقه فصيل حجر ، فرجع ، وضرب له بسهمه وأجره . قال الواقدي : وسعد بن مالك تجهز ليخرج فمات وقيل إنه مات بالروحاء . فضرب له بسهمه وأجره .

وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا ، من المهاجرين ستة وهم ، عبيدة بن الحارث بن المطلب ، قطعت رجله فمات بالصفراء ، رحمه الله ، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهري ، قتله العاص بن سعيد ، وهو ابن ست عشرة سنة ، ويقال : إنه كان قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع لصغره فبكى ، فأذن له في الذهاب ، فقتل ، رضي الله [ ص: 253 ] عنه . وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي ، وصفوان بن بيضاء ، وعاقل بن البكير الليثي ، حليف بني عدي ، ومهجع مولى عمر بن الخطاب ، وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ . ومن الأنصار ثمانية وهم : حارثة بن سراقة ، رماه حبان بن العرقة بسهم ، فأصاب حنجرته ، فمات ، ومعوذ وعوف ابنا عفراء ، ويزيد بن الحارث - ويقال ابن فسحم - وعمير بن الحمام ، ورافع بن المعلى بن لوذان ، وسعد بن خيثمة . ومبشر بن عبد المنذر ، رضي الله عن جميعهم .

وكان مع المسلمين سبعون بعيرا كما تقدم . قال ابن إسحاق : وكان معهم فرسان ، على أحدهما المقداد بن الأسود ، واسمها بعزجة - ويقال : سبحة - وعلى الأخرى الزبير بن العوام ، واسمها اليعسوب . وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير ، ورايتان ، يحمل إحداهما للمهاجرين علي بن أبي طالب ، والتي للأنصار يحملها سعد بن عبادة ، وكان رأس مشورة المهاجرين أبو بكر الصديق ، ورأس مشورة الأنصار سعد بن معاذ

وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم : إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف ، وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا . [ ص: 254 ] وقال الواقدي : كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا . وهذا التحديد يحتاج إلى دليل . وقد تقدم في بعض الأحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف ، فلعله عدد أتباعهم معهم . والله أعلم . وقد تقدم في الحديث الصحيح عند البخاري ، عن البراء أنه قتل منهم سبعون ، وأسر سبعون . وهذا قول الجمهور ، ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له :


فأقام بالعطن المعطن منهم سبعون عتبة منهم والأسود

وقد حكى الواقدي الإجماع على ذلك ، وفيما قاله نظر ، فإن موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا خلاف ذلك ، وهما من أئمة هذا الشأن ، فلا يمكن حكاية الاتفاق بدون قولهما ، وإن كان قولهما مرجوحا بالنسبة إلى الحديث الصحيح والله أعلم . وقد سرد أسماء القتلى والأسارى ابن إسحاق وغيره ، وحرر ذلك الحافظ الضياء في " أحكامه " جيدا ، وقد [ ص: 255 ] تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم ، وهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وأول من فر ، وهو خالد بن الأعلم الخزاعي - أو العقيلي - حليف بني مخزوم ، وما أفاده ذلك ، فإنه أسر ، وهو القائل في شعره :


ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا يقطر الدم

فما صدق في ذلك ، وأول من أسروا : عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، قتلا صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسارى ، وقد اختلف في أيهما قتل أولا على قولين ، وأنه عليه الصلاة والسلام ، أطلق جماعة من الأسارى مجانا بلا فداء ، منهم ، أبو العاص بن الربيع الأموي ، والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي ، وصيفي بن أبي رفاعة كما تقدم ، وأبو عزة الشاعر ، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي ، كما تقدم ، وفادى بقيتهم ، حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الأسرى ، لئلا يحابيه لكونه عمه ، مع أنه قد سأله الذين أسروه من الأنصار أن يتركوا له فداءه ، فأبى عليهم ذلك ، وقال " لا تتركوا منه درهما " . وقد كان فداؤهم متفاوتا ، فأقل ما أخذ أربعمائة ، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب . قاله موسى بن عقبة . [ ص: 256 ] وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب ، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم قال : قال داود ثنا عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة . قال : فجاء غلام يوما يبكي إلى أبيه فقال : ما شأنك ؟ فقال : ضربني معلمي . فقال : الخبيث يطلب بذحل بدر ، والله لا تأتيه أبدا . انفرد به أحمد ، وهو على شرط السنن . وتقدم بسط ذلك كله ، ولله الحمد والمنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث