الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

769 190 - ( حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة قال : كان مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذاك في غير وقت صلاة ، فقام ، فأمكن القيام ، ثم ركع ، فأمكن الركوع ، ثم رفع رأسه ، فانصب هنية ، قال : فصلى بنا صلاة شيخنا هذا أبي بريد ، وكان أبو بريد إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة استوى قاعدا ، ثم نهض ) .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله : " ثم رفع رأسه فانصب هنية " وهذا الحديث أخرجه البخاري في باب من صلى بالناس ، وهو لا يريد إلا أن يعلمهم ، عن موسى بن إسماعيل ، عن وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، وهاهنا عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب السختياني ، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ، ولكن في المتن اختلاف كما ترى ، وقد ذكرنا هناك ما يتعلق به من الأشياء . ونذكر هاهنا ما لم نذكره هناك ; للاختلاف في المتن .

قوله : “ في غير وقت الصلاة " ويروى " في غير وقت صلاة " بدون الألف واللام . قوله : " يرينا " بضم الياء ; من الإراءة . قوله : " وذاك " إشارة إلى فعله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة في غير وقتها لأجل التعليم . قوله : " فأمكن “ أي مكن ، يقال : مكنه الله من الشيء وأمكنه بمعنى واحد .

قوله : “ فانصب " بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة قال بعضهم : هو من الصب . قلت : ليس كذلك ، بل هو من الانصباب ، كأنه كنى عن رجوع أعضائه عن الانحناء إلى القيام بالانصباب ، وهذه هي الرواية المشهورة ، وهي رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني " فأنصت " بالتاء المثناة من فوق ; من الإنصات ، وهو السكوت ، وقال الكرماني : يعني لم يكبر للهوي في الحال ، وقال بعضهم : فيه نظر ، والأوجه أن يقال : هو كناية ، عن سكون أعضائه ، عبر عن عدم حركتها بالإنصات ، وذلك دال على الطمأنينة . انتهى . قلت : الذي قاله الكرماني هو الأوجه ; لأن تأخير تكبير الهوي دليل على الطمأنينة ، فلا حاجة إلى جعل هذا كناية عن سكون أعضائه ، ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة ، كما عرف في موضعه .

وحكى ابن التين أن بعضهم ضبطه بالتاء المثناة من فوق المشددة ، ثم قال : أصله انصوت فأبدل من الواو تاء ، ثم أدغمت التاء في الأخرى ، وقياس إعلاله انصات فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا . قال : ومعنى انصات استوت قامته بعد الانحناء .

هذا كلام من لم يذق شيئا من الصرف ، وقاعدة الصرف لا تقتضي أن تبدل من الواو تاء ، بل القاعدة في مثل انصوت أن تقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وقد قال الجوهري : وقد انصت الرجل إذا استوت قامته بعد الانحناء ، كأنه أقبل شبابه ، قال الشاعر :


ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها وتسعين أخرى ثم قوم فانصاتا     وعاد سواد الرأس بعد بياضه
وراجعه شرخ الشباب الذي فاتا     وراجع أيدا بعد ضعف وقوة
ولكنه من بعد ذا كله ماتا

وعن هذا عرفت أن ما حكاه ابن التين تصحيف ، ووقع في رواية الإسماعيلي " فانتصب قائما " وهذا أظهر وأولى من الكل .

قوله : “ هنية " بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء آخر الحروف ، أي شيئا قليلا ، وقد مر تحقيق هذه اللفظة في باب ما يقول بعد التكبير .

قوله : “ قال " أي أبو قلابة . قوله : " صلاة شيخنا " أي كصلاة شيخنا هذا ، وأشار به إلى عمرو بن سلمة الجرمي ، ولفظه : " في باب من صلى بالناس ، وهو لا يريد إلا أن يعلمهم قال : مثل شيخنا هذا ، وكان الشيخ يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى " .

قوله : “ أبي بريد " كنيته عمرو بن سلمة ، وقد ذكره في ذلك بلفظ الشيخ فقط ، وهاهنا ذكره بلفظ كنيته ، ولم يذكر في ذاك ولا في هذا اسمه صريحا ، ثم اختلفوا في ضبط هذه الكنية ، ففي رواية الأكثرين " أبي يزيد " بفتح الياء آخر الحروف بعدها الزاي ، وفي رواية الحموي وكريمة بضم الباء الموحدة وفتح الراء ، وكذا ضبطه مسلم في ( الكنى ) ، وقال الغساني : هو بالتحتانية والزاي من الزيادة ، وهكذا روي عن البخاري من جميع الطرق ، إلا ما ذكره أبو ذر الهروي عن الحموي ، عن الفربري ، فإنه قال : " أبي بريد " بضم الباء الموحدة ، وقال عبد الغني بن سعيد : لم أسمعه من أحد إلا بالزاي ، لكن مسلم أعلم بأسماء المحدثين .

قوله : “ فكان أبو بريد " ويروى " وكان " بالواو . قوله : " قاعدا " حال من الضمير الذي في " استوى " . قوله : " ثم نهض " يقال : نهض ينهض نهضا ونهوضا قام ، ونهض النبت استوى .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث