الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر حياتها وعقاربها ، أعاذنا الله منها برحمته

قال تعالى : سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة [ آل عمران : 180 ] . وثبت في " صحيح البخاري " من طريق عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، [ ص: 170 ] عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع ، له زبيبتان ، يأخذ بلهزمتيه فيقول : أنا مالك ، أنا كنزك " . وفي رواية : " يفر منه ، وهو يتبعه ، ويتقي منه ، فيلقمه يده ، ثم يطوقه " . وقرأ هذه الآية . وقد روي مثله عن ابن مسعود مرفوعا .

وقال الأعمش : عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [ النحل : 88 ] . قال : زيدوا عقارب ، لها أذناب كالنخل الطوال .

[ ص: 171 ] وروى البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن محمد بن إسحاق ، عن أصبغ بن الفرج ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، أن دراجا أبا السمح حدثه أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن في النار لحيات أمثال أعناق البخت ، يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا ، وإن فيها لعقارب كالبغال المؤكفة ، يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن إدريس الحنظلي ، حدثنا محمد بن عثمان ، أبو الجماهر ، عن إسماعيل بن عياش ، عن سعيد بن يوسف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلام ، حدثني الحجاج بن عبد الله الثمالي - وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وحج معه حجة الوداع - أن نفير بن مجيب - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقدمائهم - قال : إن في جهنم سبعين ألف واد ، في كل واد سبعون ألف شعب ، في كل شعب سبعون ألف دار ، في كل دار سبعون ألف بيت ، في كل بيت سبعون ألف شق ، في كل شق سبعون ألف ثعبان ، في شدق كل [ ص: 172 ] ثعبان سبعون ألف عقرب ، لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله ، وهذا موقوف ، وغريب جدا ، بل منكر نكارة شديدة ، وسعيد بن يوسف هذا - الذي حدث عنه به إسماعيل بن عياش - مجهول ، والله أعلم ، وبتقدير رواية إسماعيل بن عياش له ، عن يحيى بن أبي كثير ; وهو حجازي ، وإسماعيل في غير الشاميين غير مقبول ، وقد ذكر هذا الأثر البخاري في " تاريخه الكبير " ، بنحو من هذا السياق ، فالله أعلم .

وقد ذكر بعض المفسرين في تفسير : " غي " و " أثام " ، أنهما واديان من أودية جهنم ، أجارنا الله تعالى منها . وقال بعضهم في قوله تعالى : وجعلنا بينهم موبقا [ الكهف : 52 ] . قال : هو نهر من قيح ودم . وقال عبد الله بن عمرو ، ومجاهد : هو واد من أودية جهنم . زاد عبد الله بن عمرو : عميق ، فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى ، وأهل الضلالة .

وروى البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن عباس الدوري ، عن ابن معين ، عن هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن عبد الجبار [ ص: 173 ] الخولاني ، قال : قدم علينا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دمشق ، فرأى ما فيه الناس - يعني من الدنيا - فقال : وما يغني عنهم ، أليس من ورائهم الفلق ؟ وقد تقدم هذا الأثر .

وروى البيهقي ، عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن إبراهيم بن مرزوق بمصر ، عن سعيد بن عامر ، عن شعبة ، قال : كتب إلي منصور وقرأته عليه ، عن مجاهد ، عن يزيد بن شجرة ، وكان يزيد بن شجرة رجلا من الزهاد ، وكان معاوية يستعمله على الجيوش ، فخطبنا يوما ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، اذكروا نعمة الله عليكم ، ما أحسن أثر نعمة الله عليكم لو ترون ما أرى من بين أحمر وأصفر ومن كل لون ، وفي الرحال ما فيها ، إنه إذا أقيمت الصلاة فتحت أبواب السماء وأبواب الجنة وأبواب النار ، وإذا التقى الصفان فتحت أبواب الجنة وأبواب النار وزين الحور العين فيطلعن ، فإذا أقبل أحدكم بوجهه إلى القتال ، قلن : اللهم ثبته ، اللهم انصره . وإذا أدبر احتجبن عنه ، وقلن : اللهم اغفر له ، فانهكوا وجوه القوم ، فداكم أبي وأمي ، فإن أول [ ص: 174 ] قطرة تقطر من دم أحدكم يحط الله بها عنه خطاياه ، كما يحط الغصن من ورق الشجر ، وتبتدره اثنتان من الحور العين ويمسحان التراب عن وجهه ، وتقولان : فدانا لك . ويقول : فدانا لكما . فيكسى مائة حلة لو وضعت بين إصبعي هاتين لوسعتاهن ، ليست من نسج بني آدم ، ولكنها من ثياب الجنة ، إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم ونجواكم وحلاكم ومجالسكم ، فإذا كان يوم القيامة قيل : يا فلان ، هذا نورك ، يا فلان ، لا نور لك ، وإن لجهنم جبابا من ساحل كساحل البحر ، فيه هوام وحيات كالبخاتي ، وعقارب كالبغال الدلم ، أو كالدلم البغال ، فإذا سأل أهل النار التخفيف قيل : اخرجوا إلى الساحل . فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم ، وبما شاء الله من ذلك ، فتكشطها فيرجعون ، فيبادرون إلى معظم النار ، ويسلط عليهم الجرب ، حتى إن أحدهم ليحك جلده حتى يبدو العظم ، فيقال له : يا [ ص: 175 ] فلان ، هل يؤذيك هذا ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين .

وروى الترمذي ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة : اللهم أدخله الجنة . ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار : اللهم أجره من النار " .

وروى البيهقي ، عن أبي سعيد ، أو عن ابن حجيرة الأكبر ، عن أبي هريرة ، أن أحدهما حدثه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض ، فإذا قال العبد : لا إله إلا الله ، ما أشد حر هذا اليوم ، اللهم أجرني من حر نار جهنم . قال الله عز وجل لجهنم : إن عبدا من عبادي قد استجار بي منك ، وإني أشهدك أني قد أجرته . وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سبحانه سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض ، فإذا قال العبد : لا إله إلا الله ، ما أشد برد هذا اليوم ، اللهم أجرني من زمهرير جهنم . قال الله تعالى لجهنم : إن عبدا من عبادي قد استجار بي من زمهريرك ، وإني أشهدك أني قد أجرته " . قالوا : وما زمهرير جهنم ؟ قال : " جب يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة البرد بعضه من بعض " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث