الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث السقيفة وخلافة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 187 ] حديث السقيفة وخلافة أبي بكر - رضي الله عنه وأرضاه -

لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر ، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : منا أمير ، ومنكم أمير . فقال أبو بكر : منا الأمراء ، ومنكم الوزراء . ثم قال أبو بكر : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبي عبيدة أمين هذه الأمة . فقال عمر : أيكم يطيب نفسا أن يخلف قدمين قدمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فبايعه عمر وبايعه الناس . فقالت الأنصار أو بعض الأنصار : لا نبايع إلا عليا . قال : وتخلف علي ، وبنو هاشم ، والزبير ، وطلحة - عن البيعة . وقال الزبير : لا أغمد سيفا حتى يبايع علي . فقال عمر : خذوا سيفه واضربوا به الحجر ، ثم أتاهم عمر ، فأخذهم للبيعة .

وقيل : لما سمع علي بيعة أبي بكر خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا ، حتى بايعه ، ثم استدعى إزاره ورداءه فتجلله .

والصحيح : أن أمير المؤمنين ما بايع إلا بعد ستة أشهر . والله أعلم .

وقيل : لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول : إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم ! يا آل عبد مناف ، فيم أبو بكر من أموركم ؟ أين المستضعفان ؟ أين الأذلان علي والعباس ؟ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ ثم قال لعلي : ابسط [ ص: 188 ] يدك أبايعك ، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا . فأبى علي - عليه السلام - فتمثل بشعر المتلمس :


ولن يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد     هذا على الخسف معكوس برمته
وذا يشج فلا يبكي له أحد



فزجره علي وقال : والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرا ! لا حاجة لنا في نصيحتك .

وقال ابن عباس : كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف القرآن ، فحج عمر وحججنا معه ، فقال لي عبد الرحمن : شهدت أمير المؤمنين اليوم بمنى ، وقال له رجل : سمعت فلانا يقول : لو مات عمر لبايعت فلانا ، فقال عمر : إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم . قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وهم الذين يغلبون على مجلسك ، وأخاف أن تقول مقالة لا يعوها ولا يحفظوها ويطيروا بها ، ولكن أمهل حتى تقدم المدينة ، وتخلص بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقول ما قلت ، فيعوا مقالتك . فقال : والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة .

قال : فلما قدمت المدينة هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن ، فلما جلس عمر على المنبر حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال بعد أن ذكر الرجم وما نسخ من القرآن فيه : إنه بلغني أن قائلا منكم يقول : لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا ، فلا يغرن امرأ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فتنة ، فقد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها ، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، وإنه كان خيرنا حين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة ، وتخلف عنا الأنصار ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت له : انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نحوهم ، فلقينا رجلان صالحان من الأنصار ، أحدهما عويم بن ساعدة ، والثاني معن بن عدي ، فقالا [ ص: 189 ] لنا : ارجعوا اقضوا أمركم بينكم . قال : فأتينا الأنصار وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة وبين أظهرهم رجل مزمل ، قلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة وجع ، فقام رجل منهم فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، فنحن الأنصار ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط بيننا ، وقد دفت إلينا دافة من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يغصبونا الأمر . فلما سكت وكنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر : على رسلك ! فقام فحمد الله ، وما ترك شيئا كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه ، وقال : يا معشر الأنصار ، إنكم لا تذكرون فضلا إلا وأنتم له أهل ، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش ، هم أوسط العرب دارا ونسبا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين . وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، وإني والله ما كرهت من كلامه كلمة غيرها ، إن كنت أقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم ، أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر .

فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير . وارتفعت الأصوات واللغط ، فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر : ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته وبايعه الناس ، ثم نزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائلهم : قتلتم سعدا . فقلت : قتل الله سعدا . وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من بيعة أبي بكر ، خشيت إن فارقت القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى به ، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا .

وقال أبو عمرة الأنصاري : لما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الأمر ، وكان مريضا فقال بعد أن حمد الله : يا معشر الأنصار ، لكم سابقة وفضيلة ليست لأحد من العرب ، إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لبث في [ ص: 190 ] قومه بضع عشرة سنة يدعوهم ، فما آمن إلا القليل ، ما كانوا يقدرون على منعه ولا على إعزاز دينه ، ولا على دفع ضيم ، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها ، وأعطى البعيد المقادة صاغرا ، فدانت لرسوله بأسيافكم العرب ، وتوفاه الله وهو عنكم راض قرير العين . استبدوا بهذا الأمر دون الناس ، فإنه لكم دونهم .

فأجابوه بأجمعهم : أن قد وفقت وأصبت الرأي ، ونحن نوليك هذا الأمر ، فإنك مقنع ورضا للمؤمنين . ثم إنهم ترادوا الكلام فقالوا : وإن أبى المهاجرون من قريش ، وقالوا : نحن المهاجرون وأصحابه الأولون ، وعشيرته وأولياؤه ؟ ! فقالت طائفة منهم : فإنا نقول : منا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا . فقال سعد : هذا أول الوهن .

وسمع عمر الخبر فأتى منزل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فيه ، فأرسل إليه أن اخرج إلي . فأرسل إليه : إني مشتغل . فقال عمر : قد حدث أمر لابد لك من حضوره . فخرج إليه ، فأعلمه الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة . قال عمر : فأتيناهم وقد كنت زورت كلاما أقوله لهم ، فلما دنوت أقول أسكتني أبو بكر ، وتكلم بكل ما أردت أن أقول ، فحمد الله وقال : إن الله قد بعث فينا رسولا شهيدا على أمته ليعبدوه ويوحدوه ، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى من حجر وخشب ، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم . فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والمواساة له ، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم ، وكل الناس لهم مخالف زار عليهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم ، فهم أول من عبد الله في هذه الأرض ، وآمن بالله وبالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ، لا ينازعهم إلا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار ، من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم في الإسلام ، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تفاوتون بمشورة ، ولا تقضى دونكم الأمور .

فقام حباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أمركم ، [ ص: 191 ] فإن الناس في ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا يصدروا إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العز وأولو العدد والمنعة وذوو البأس ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم ، أبى هؤلاء إلا ما سمعتم ، فمنا أمير ومنكم أمير .

فقال عمر : هيهات ، لا يجتمع اثنان في قرن ! والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبينا من غيركم ، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ، ولنا بذلك الحجة الظاهرة ، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته ؟ !

فقال الحباب بن المنذر : يا معشر الأنصار ، املكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم فأجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الأمور ، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ، فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ! أنا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة .

فقال عمر : إذا ليقتلك الله ! فقال : بل إياك يقتل .

فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار ، إنكم أول من نصر ، فلا تكونوا أول من بدل وغير ! فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار ، إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين ، وسابقة في الدين ، ما أردنا به إلا رضى ربنا ، وطاعة نبينا ، والكدح لأنفسنا ، فما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به الدنيا ، ألا إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - من قريش ، وقومه أولى به ، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر ، فاتقوا الله ولا تخالفوهم .

فقال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة ، فإن شئتم فبايعوا . فقالا : والله لا نتولى هذا الأمر عليك ، وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، وهي أفضل دين المسلمين ، ابسط يدك نبايعك . فلما ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه ، فناداه الحباب بن المنذر : عقتك عقاق ! أنفست على ابن عمك الإمارة ؟ فقال : لا والله ، ولكني كرهت أن أنازع القوم حقهم .

ولما رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير سعد - قال بعضهم [ ص: 192 ] لبعض ، وفيهم أسيد بن حضير ، وكان نقيبا : والله لئن وليتها الخزرج مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر . فبايعوه ، فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه ، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب .

ثم تحول سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما ، وأرسل إليه ليبايع ، فإن الناس قد بايعوا ، فقال : لا والله ، حتى أرميكم بما في كنانتي ، وأخضب سنان رمحي ، وأضرب بسيفي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني ، ولو اجتمع معكم الجن والأنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي . فقال عمر : لا تدعه حتى يبايع . فقال بشير بن سعد : إنه قد لج وأبى ، ولا يبايعكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته ، ولا يضركم تركه ، وإنما هو رجل واحد . فتركوه .

وجاءت أسلم فبايعت ، فقوي أبو بكر بهم ، وبايع الناس بعد .

قيل إن عمر بن حريث قال لسعيد بن زيد : متى بويع أبو بكر ؟ قال : يوم مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة .

قال الزهري : بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة - رضي الله عنها - فبايعوه .

فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر وبايعه الناس بيعة عامة ، ثم تكلم فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه ، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق ، إن شاء الله تعالى ، لا يدع أحد منكم الجهاد ، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم - رحمكم الله - .

( أسيد بن حضير بضم الهمزة ، وبالحاء المهملة المضمومة ، وبالضاد المعجمة ، وآخره راء ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث