الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


العسال

محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد القاضي أبو أحمد [ ص: 7 ] الأصبهاني الحافظ ، المعروف بالعسال ، صاحب المصنفات .

رأيت له ترجمة مفردة في جزء للحافظ أبي موسى ، قد سمعه منه الحافظ عبد الغني المقدسي .

سمع من والده وهو من قدماء شيوخه ، فإن والده مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وسمع من أبي مسلم الكجي ، ومحمد بن أيوب بن الضريس الرازي ، وأبي بكر بن أبي عاصم ، ومحمد بن أسد المديني صاحب أبي داود الطيالسي ، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة ، والحسن بن علي السري ، وإبراهيم بن زهير الحلواني ، ومطين ، وأبي شعيب الحراني ، وبكر بن سهل الدمياطي ، وأمثالهم .

وقرأ القرآن لنافع على الأستاذ أبي عبد الله محمد بن علي بن عمرو بن سهل الأصبهاني الصوفي عن قراءته على الفضل بن شاذان الرازي .

تلا عليه ولده أبو عامر عبد الوهاب ، وكان من كبراء أهل أصبهان ومتموليهم . طالعت كتاب " المعرفة " له في السنة ينبئ عن حفظه وإمامته ، وأكبر شيخ لوالده هو إسماعيل بن عمرو البجلي صاحب مسعر .

حدث عن أبي أحمد أولاده : أبو جعفر أحمد ، وأبو إسحاق إبراهيم ، وأبو عامر عبد الوهاب ، وأبو الفضل العباس ، وأبو الحسين عامر ، وأبو بكر عبد الله ، وكان أربعة منهم معدلين محدثين ، وهم : [ ص: 8 ] أحمد وإبراهيم وعامر وأبو بكر .

وحدث عنه أيضا : أبو أحمد عبد الله بن عدي ، وأبو بكر بن المقرئ ، وأبو عبد الله بن منده ، وأبو بكر بن مردويه ، وأبو بكر بن أبي علي ، ومحمد بن عبد الله الرباطي ، وأحمد بن إبراهيم القصار ، وأحمد بن محمد بن عبد الله بن ماجه المؤدب ، وأبو سعيد النقاش ، ومحمد بن علي بن مصعب ، وأبو نعيم .

قال الباطرقاني : أخبرنا ابن منده قال : كان أبو أحمد العسال يخلف الطبري وابنه ، وكان أحد الأئمة في علم الحديث .

وقال الحاكم : كان أحد أئمة الحديث .

وقال ابن مردويه : كان أبو أحمد العسال المعدل يتولى القضاء خليفة لعبد الرحمن بن أحمد الطبري ، هو أحد الأئمة في الحديث ، فهما وإتقانا وأمانة .

وقال أبو سعيد النقاش : أخبرنا أبو أحمد العسال ، ولم نر مثله في الإتقان والحفظ .

قلت : وقد رأى النقاش الحاكمين ، والدارقطني ، وأبا بكر الجعابي ، وأبا إسحاق بن حمزة ، وأخذ عنهم ، وهو مع ذلك يقول هذا القول .

قال أبو بكر بن أبي علي الذكواني القاضي : أبو أحمد العسال الثقة المأمون الكبير في الحفظ والإتقان .

وقال أبو نعيم : أبو أحمد من كبار الناس في المعرفة والإتقان والحفظ . صنف الشيوخ ، والتفسير ، وعامة المسند ، ولي القضاء [ ص: 9 ] بأصبهان ، مقبول القول .

وقال الخليلي في " الإرشاد " : ومن أهل أصبهان أبو أحمد العسال ، حافظ ، متقن ، عالم بهذا الشأن ، كان على قضاء أصبهان من شرط الصحاح ، لقيت ابنه أحمد بالري ، فحدثني عن أبيه .

قلت : وقد حدث العسال ببغداد ، وذكره أبو بكر الخطيب في " تاريخه " وقال : أخبرنا الماليني ، أخبرنا ابن عدي ، حدثنا أبو أحمد العسال ببغداد ، حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم ، فذكر حديثا .

قال أبو موسى المديني : ذكر أبو غالب بن هارون الأديب ، قال : كان يكره على تقلد القضاء ، فكان يمتنع منه ، وكان يلح عليه ، حتى أجاب خلافة ونيابة ، استخلفه الطبري وهو مقيم بحضرة ركن الدين حسن بن علي بن بويه سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ، فلما استخلف الطبري ولده عتبة في سنة اثنتين وأربعين ، وولي عتبة القضاء برأسه في سنة ست وأربعين ، فاستخلف أبا أحمد . وقيل : إنه كان لا يغلق بابه عن أحد ، وكان إذا توجه على الخصم يمين لا يحلفه ما أمكنه ، بل يغرم عنه ما لم يبلغ مائة دينار ، فإذا بلغ المائة أو جاوزها ، كان يتثبت ويدافع ويمهل إلى المجلس الثاني ، ويحذر المدعى عليه وبال اليمين ، ويخوفه يوم الدين ، ويذكره الوقوف بين يدي رب العالمين ، ثم يحلفه على كره .

قال أبو بكر بن مردويه : سمعت أبا أحمد يقول : أحفظ في القرآن خمسين ألف حديث .

[ ص: 10 ] قال أبو موسى : ذكر أبو غالب هبة الله بن محمد بن هارون بخطه ، قال : سمعت بعض أصحاب الحديث : أن محدثا حضر القاضي أبا أحمد قال : إني حلفت أنك تحفظ سبعين ألف حديث ، فهل أنا بار ؟ فقال : برت يمينك ، إني أحفظ في القرآن سبعين ألف حديث .

ويقال : إنه أملى تفسيرا كثيرا من حفظه ، وقيل : أملى أربعين ألف حديث بأردستان ، فلما رجع إلى أصبهان ، قابل ذلك ، فكان كما أملاه .

أخبرنا جماعة كتابة ، أخبرنا الكندي ، أخبرنا الشيباني ، أخبرنا الخطيب ، حدثني عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني - وكان دينا ثقة - قال : سمعت ابن منده ، يقول : كتبت عن ألف شيخ لم أر فيهم أتقن من أبي أحمد العسال .

وقال يحيى بن منده : سمعت عمي يقول : سمعت أبي يقول : كتبت عن ألف وسبعمائة شيخ ، فلم أجد فيهم مثل أبي أحمد العسال ، وإبراهيم بن محمد بن حمزة . وكذا رواه أحمد بن جعفر الفقيه ، عن أبي عبد الله فقال : ألف وسبعمائة . وعن ابن منده قال : طفت الدنيا مرتين ، فما رأيت مثل العسال .

ذكر أبو غالب أيضا قال : يحكى أنه ما كان يجلس لإملاء الحديث ، ولا يمس جزءا إلا على طهارة ، وأنه كان مرة مع صهره ، فدخل مسجدا ، وشرع في الصلاة ، فختم القرآن في ركعة .

قال أبو غالب : وسمعت جدي يقول : سمعت والدي أبا إسحاق إبراهيم بن القاضي أبي أحمد العسال يقول : لما مات القاضي ، وجلس بنوه للتعزية ، فدخل رجلان في لباس سواد ، وأخذا يولولان [ ص: 11 ] ويقولان : واإسلاماه ، فسئلا عن حالهما فقالا : إنا وردنا من أغمات من المغرب ، لنا سنة ونصف في الطريق في الرحلة إلى هذا الإمام لنسمع منه ، فوافق ورودنا وفاته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث