الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر آخر من يخرج من النار

ثبت في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة أخبره أن ناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ " قالوا : لا . يا رسول الله . قال : " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ " قالوا : لا . قال : " فإنكم ترونه كذلك ، يجمع الله الناس يوم القيامة ، فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله ، تبارك وتعالى ، في صورة غير صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم . فيقولون : [ ص: 247 ] نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه . فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم . فيقولون : أنت ربنا . فيتبعونه ، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم ، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ، ودعوى الرسل يومئذ : اللهم سلم ، سلم . وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ " . قالوا : نعم ، يا رسول الله . قال : " فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم الموبق بعمله ، ومنهم المجازى حتى ينجى ، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد ، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار ، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول : لا إله إلا الله . فيعرفونهم في النار ، يعرفونهم بأثر السجود ، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود ; حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار وقد امتحشوا ، فيصب عليهم من ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل ، ويفرغ الله من القضاء بين العباد ، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار ، وهو آخر أهل النار دخولا إلى الجنة ، فيقول : أي رب ، اصرف وجهي عن النار ; فإنه قد قشبني ريحها ، وأحرقني ذكاؤها . فيدعو الله ما شاء [ ص: 248 ] أن يدعوه ، ثم يقول الله : هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره ؟ فيقول : لا أسألك غيره . ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء ، فيصرف وجهه عن النار ، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : أي رب ، قدمني إلى باب الجنة . يقول الله : أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت ؟ ويلك يا بن آدم ، ما أغدرك فيقول : أي رب . ويدعو الله حتى يقول له : فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره ؟ فيقول : لا وعزتك . فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق ، فيقدمه إلى باب الجنة ، فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة ، فرأى ما فيها من الخير والسرور ، فيسكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : أي رب ، أدخلني الجنة . فيقول الله سبحانه : أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت . ويلك يا بن آدم ، ما أغدرك ! فيقول : أي رب ، لا أكون أشقى خلقك . فلا يزال يدعو الله ، حتى يضحك الله منه ، فإذا ضحك الله منه قال : ادخل الجنة . فإذا دخلها قال الله له : تمنه . فيسأل الله ويتمنى ، حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا ، حتى إذا انقطعت به الأماني ، قال الله عز وجل : ذلك لك ومثله معه " .

قال عطاء بن يزيد : وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه شيئا من حديثه ، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل : " ومثله معه " . قال أبو سعيد : " وعشرة أمثاله معه " يا أبا هريرة . قال أبو هريرة : ما حفظت إلا قوله : " ذلك لك ومثله معه " . فقال أبو سعيد : أشهد أني حفظت من رسول الله [ ص: 249 ] صلى الله عليه وسلم قوله : " ذلك لك وعشرة أمثاله " . قال أبو هريرة : وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة . هذا لفظ مسلم .

ثم ساقه من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، ثم أورد الحديث من رواية عطاء بن يسار ، وغيره ، عن أبي سعيد وساقه بطوله ، نحوه ، وفيه : أنه يعطى ذلك وعشرة أمثاله . وفي بعض سياقاته : أنه ينتقل من النار إلى باب الجنة في ثلاث مراحل ، كل مرحلة يجلس تحت شجرة ، كل واحدة هي أحسن من أختها التي قبلها .

وكذلك رواه مسلم أيضا ، من حديث ابن مسعود ، وفيه : " عشرة أمثاله " . كما حفظه أبو سعيد . والله سبحانه وتعالى أعظم وأكرم وأرأف وأرحم .

وهكذا رواه البخاري ، عن ابن مسعود ، فقال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها ، وآخر أهل الجنة دخولا ، رجل يخرج من النار حبوا ، فيقول الله : اذهب فادخل الجنة . فيأتيها ، فيخيل إليه أنها ملأى ، فيرجع ، فيقول : يا رب ، وجدتها ملأى فيقول : اذهب فادخل الجنة . فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى ، فيرجع ، فيقول : يا رب ، وجدتها ملأى . فيقول : اذهب فادخل الجنة ، فإن لك مثل الدنيا وعشرة [ ص: 250 ] أمثالها - أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا - فيقول : أتسخر بي - أو تضحك مني - وأنت الملك ؟ " . فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، وكان يقال : ذلك أدنى أهل الجنة منزلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث