الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر عود قلاع الهكارية والزوزان إلى بدر الدين

لما ملك زنكي قلاع الهكارية والزوزان لم يفعل مع أهلها ما ظنوه من الإحسان والإنعام ، بل فعل ضده ، وضيق عليهم ، وكان يبلغهم أفعال بدر الدين مع جنده ورعاياه وإحسانه إليهم ، وبذله الأموال لهم ، وكانوا يريدون العود إليه ، ويمنعهم الخوف منه لما أسلفوه من ذلك ، فلما كان الآن أعلنوا بما فعل معهم فأرسلوا إلى بدر الدين في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة في التسليم إليه ، وطلبوا منه اليمن ، والعفو عنهم ، وذكروا شيئا من إقطاع يكون لهم ، فأجابهم إلى ذلك ، وأرسل إلى الملك الأشرف يستأذنه في ذلك ، فلم يأذن له .

وعاد زنكي من عند الأشرف ، فجمع جموعا ، وحصر قلعة العمادية ، فلم يبلغ منهم غرضا ، وأعادوا مراسلة بدر الدين في التسليم إليه ، فكتب إلى الملك الأشرف في المعنى ، وبذل له قلعة جديدة نصيبين ، وولاية بين النهرين ليأذن له في أخذها ، فأذن له ، فأرسل إليها كلها النواب وتسلموها وأحسن إلى أهلها ، ورحل زنكي عنها ، ووفى له بدر الدين بما بذله لهم .

فلما سمع جند باقي القلاع بما فعلوا وما وصلهم من الإحسان والزيادة ، رغبوا كلهم في التسليم إليه ، فسير إليهم النواب ، واتفقت كلمة أهلها على طاعته والانقياد إليه ، والعجب أن العساكر اجتمعت من الشام ، والجزيرة ، وديار بكر ، وخلاط ، [ ص: 324 ] وغيرها ، في استعادة هذه القلاع ، فلم يقدروا على ذلك ، فلما تفرقوا حضر أهلها وسألوا أن تؤخذ منهم ، فعادت صفوا عفوا بغير منة ، ولقد أحسن من قال :


لا سهل إلا ما جعلت سهلا وإن تشأ تجعل بحزن وحلا



فتبارك الله الفعال لما يريد ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، وهو على كل شيء قدير .

التالي السابق


الخدمات العلمية