الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر الحوادث في سنة اثنتي عشرة من النبوة

[الإسراء والمعراج]

فمن ذلك: المعراج .

قال الواقدي: كان المسرى في ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان في [ ص: 26 ] السنة الثانية عشرة من النبوة ، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا .

وروي عن أشياخ أخر قالوا: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبعة عشر من ربيع الأول ، قبل الهجرة بسنة .

وقال مؤلف الكتاب: ويقال إنه كان ليلة سبع وعشرين من رجب .

أخبرنا هبة الله بن محمد قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا عفان قال: أخبرنا همام بن يحيى قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك : أن مالك بن صعصعة حدثه: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به ، قال: "بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة : في الحجر - مضطجع إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة . قال: فأتاني فقد - وسمعت قتادة يقول: فشق - ما بين هذه [إلى هذه" ] .

قال قتادة: فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته . [وقد سمعته يقول: من قصته] إلى شعرته . [ ص: 27 ]

قال: "فاستخرج قلبي" قال: "فأتيت بطست من [ذهب مملوءة إيمانا] وحكمة ، فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون [البغل] وفوق الحمار ، أبيض" .

قال: فقال للجارود : أهو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه .

قال: "فحملت عليه ، فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى بي إلى السماء الدنيا ، فاستفتح ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد . قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم . فقيل: مرحبا به ، ونعم المجيء جاء" .

قال: "ففتح لنا ، فلما خلصت فإذا فيها آدم عليه السلام . فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح . ثم صعد حتى أتى السماء الثانية ، فاستفتح ، فقيل له: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد . قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم . قيل: مرحبا به ، ونعم المجيء جاء ، قال: ففتح .

قال: "فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة ، فقال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما . قال: فسلمت عليهما فردا السلام ، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة ، فاستفتح ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد . قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم . قيل: مرحبا به ، ونعم المجيء جاء" .

قال: "ففتح ، فلما خلصت ، إذا يوسف . قال: هذا يوسف فسلم عليه . فسلمت عليه فرد السلام ، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح . فقيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد . قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم . قيل: مرحبا به ، ونعم المجيء جاء" . [ ص: 28 ]

قال: "ففتح ، فلما خلصت إذا إدريس ، قال: هذا إدريس ، فسلم عليه . فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح" .

قال: "ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة ، فاستفتح ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد . قيل: أوقد [أرسل إليه؟ قال: نعم . قيل] مرحبا به ، ونعم المجيء جاء" .

قال: " ففتح ، فلما خلصت فإذا هارون . [قال: هذا هارون فسلم عليه" ] قال: "فسلمت عليه فرد السلام ، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح" .

قال: "ثم صعد حتى أتى إلى السماء السادسة ، فاستفتح . قيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم . قيل: مرحبا به ، ونعم المجيء جاء" .

قال: "ففتح ، فلما خلصت ، فإذا أنا بموسى . قال: هذا موسى فسلم عليه .

فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح" .

قال: "فلما تجاوزت بكى ، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي [لأن] غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي" .

قال: "ثم صعد حتى أتى إلى السماء السابعة ، فاستفتح . فقيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد . قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم . قال: مرحبا به ، ونعم المجيء جاء" .

قال: "ففتح ، فلما خلصت فإذا إبراهيم . فقال: هذا [أبوك] إبراهيم فسلم عليه" . قال: "فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح" . [ ص: 29 ]

قال: "ثم رفعت إلى سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة . فقال: هذه سدرة المنتهى" .

قال: "وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ، ونهران ظاهران . فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان: فنهران في الجنة ، وأما الظاهران: فالنيل والفرات" .

قال: "ثم رفع إلى البيت المعمور"
.

قال قتادة : وحدثنا الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لا يعودون منه .

ثم رجع إلى حديث أنس ، قال:

"ثم أتيت بإناء من خمر ، وإناء من لبن ، وإناء من عسل" قال: "فأخذت اللبن .

قال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك" .

قال: "ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم وليلة" .

قال: "فرجعت ، فمررت على موسى ، فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم وليلة . فقال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك [وعالجت بني إسرائيل] أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك" .

قال: " [فرجعت] ، فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟

قلت: أمرت بأربعين صلاة كل يوم . قال: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم ، فإني جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك" . [ ص: 30 ]

قال: "فرجعت ، فوضع عني عشرا أخر ، فرجعت إلى موسى ، فقال: بم أمرت؟

قلت: بثلاثين صلاة كل يوم . قال: إن أمتك لا تستطيع لثلاثين صلاة كل يوم ، وإني قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك" .

قال: "فرجعت ، فوضع عني عشرا أخر ، فرجعت إلى موسى ، فقال: بم أمرت؟

قلت: أمرت بعشرين صلاة كل يوم . فقال: إن أمتك لا تستطيع لعشرين صلاة كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف" .

قال: "فرجعت ، فأمرت بعشر صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: بعشر صلوات كل يوم . فقال: إن أمتك لا تستطيع لعشر صلوات كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك عز وجل فسله التخفيف لأمتك" .

قال: "فرجعت ، فأمرت بخمس صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى ، فقال: إن أمتك لا تستطيع لخمس صلوات كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك" .

قال: "قلت: قد سألت ربي حتى استحييت ، ولكني أرضى وأسلم . فلما نفذت نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي"
. أخرجاه في الصحيحين .

وبالإسناد قال أحمد: وأخبرنا محمد بن جعفر قال: أخبرنا عوف ، عن زرارة بن أوفى ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ص: 31 ] "لما كان ليلة أسري بي ، وأصبحت بمكة فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي" .

قال: فقعد معتزلا حزينا ، فمر به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه ، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم" .

قال: وما هو؟

قال: "إني أسري بي الليلة" .

قال: إلى أين؟ .

قال: "إلى بيت المقدس " .

قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: "نعم" .

قال: فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إن دعي قومه إليه .

قال: أرأيت إن دعوت قومك ، أتحدثهم ما حدثتني ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم .

فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي .

حتى انتفضت إليه المجالس ، وجاءوا حتى جلسوا إليهما .

قال: حدث قومك بما حدثتني .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أسري بي الليلة" .

قالوا: إلى أين؟

[ ص: 32 ]

قال: "إلى بيت المقدس " .

قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: "نعم" .

قال: فمن بين مصفق ، وواضع يده على رأسه متعجبا للكذب زعم .

قالوا: أوتستطيع أن تنعت لنا المسجد - وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " [فذهبت أنعت] فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت" .

قال: "فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل - أو عقال - فنعته وأنا أنظر إليه" . قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه ، فقال قوم: أما النعت فوالله لقد أصاب .


التالي السابق


الخدمات العلمية