الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر الأمر بطلب الجنة وترغيب الله عباده فيها وأمرهم بالمبادرة إليها

قال الله تعالى : والله يدعو إلى دار السلام يونس : 25 ] . وقال : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين [ آل عمران : 133 ] . وقال : سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض الآية [ الحديد : 21 ] . وقال : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [ التوبة : 111 ] . وقال : يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [ المطففين : 25 ، 26 ] .

وقد روى البخاري وغيره من حديث سعيد بن ميناء ، عن جابر ، أن ملائكة [ ص: 384 ] جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم ، فقال بعضهم : هو نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة ، والقلب يقظان . فقالوا : اضربوا له مثلا . فقالوا : مثله كمثل رجل بنى دارا ، واتخذ فيها مأدبة ، وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المأدبة . قالوا : فأولوها له يعقلها . فقال بعضهم : إنه نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة ، والقلب يقظان . فقالوا : الدار الجنة ، والداعي محمد ، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ، ومن عصى محمدا فقد عصى الله ، ومحمد فرق بين الناس .

وروى الترمذي هذا الحديث ، ولفظه : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي ، وميكائيل عند رجلي ، يقول أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلا . فقال : اسمع سمعت أذنك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ، ثم بنى فيها بيتا ، صنع مأدبة ، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من تركه ، فالله هو الملك ، والدار الإسلام ، والبيت الجنة ، وأنت يا محمد رسول ، فمن أجابك دخل الإسلام ، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل مما فيها " . وروى الترمذي عن ابن مسعود نحوه ، وصححه أيضا .

وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن [ ص: 385 ] سيدا بنى دارا ، واتخذ مأدبة ، وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضي عنه السيد ، ألا وإن السيد الله ، والدار الإسلام ، والمأدبة الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا جرير عن يونس ، هو ابن خباب ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار ؟ يا رب ، إن عبدك فلانا قد استجار مني فأجره . ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة : يا رب ، إن عبدك فلانا سألني فأدخله الجنة " . إسناده على شرط مسلم .

وروى الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن هناد ، عن أبي الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الله الجنة ثلاث مرات ، قالت الجنة : اللهم أدخله الجنة . ومن استجار من النار ثلاث مرات ، قالت النار : اللهم أجره من النار " .

وقال الحسن بن سفيان : حدثنا المقدمي ثنا عمر بن علي ، عن يحيى بن عبد الله ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثروا مسألة الله الجنة ، واستعيذوا به من النار ، فإنهما شافعتان مشفعتان ؟ فإن العبد إذا [ ص: 386 ] أكثر مسألة الجنة قالت الجنة : يا رب ، عبدك هذا الذي سألنيك فأسكنه إياي . وتقول النار : يا رب ، عبدك هذا الذي استعاذ بك مني فأعذه مني " .

وقال البزار : حدثنا أحمد بن عمرو بن عبيدة العصفري ، حدثنا يعقوب بن إسحاق ، حدثنا سليمان بن معاذ ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة " . ورواه أبو داود من حديث محمد بن المنكدر .

وفي " الترمذي " عن أبي هريرة مرفوعا : " من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة " .

وقال أبو بكر الشافعي ، عن كليب بن حزن : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اطلبوا الجنة جهدكم ، واهربوا من النار جهدكم; فإن الجنة لا ينام طالبها ، وإن النار لا ينام هاربها ، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره ، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات ، فلا تلهينكم عن الآخرة " .

وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا أيوب بن شبيب الصنعاني ، قال : كان فيما عرضنا على رباح بن زيد حديث عبد الله بن [ ص: 387 ] بحير : سمعت عبد الرحمن بن يزيد ، سمعت عبد الله بن عمر ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تنسوا العظيمتين " . قلنا : وما العظيمتان يا رسول الله ؟ قال : " الجنة والنار " .

وقال كلثوم بن عياض القشيري ، على منبر دمشق أيام هشام بن عبد الملك : من آثر الله آثره الله ، فرحم الله عبدا استعان بنعمته على طاعته ، ولم يستعن بنعمته على معصيته; فإنه لا يأتي على صاحب الجنة ساعة إلا وهو يزداد فيها صنفا من النعمة لم يكن يعرفه ، ولا يأتي على صاحب العذاب ساعة إلا وهو يستنكر لشيء من العذاب لم يكن يعرفه . كان هذا الرجل متوليا على دمشق أيام هشام بن عبد الملك ، ثم بعثه إلى غزو بلاد المغرب ، فقتل هناك ، رحمه الله . أورده ابن عساكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث