الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الصنف السادس : الغارمون ، والديون ثلاثة أضرب .

الأول : دين لزمه لمصلحة نفسه ، فيعطى من الزكاة ما يقضي به بشروط .

أحدها : أن يكون به حاجة إلى قضائه منها ، فلو وجد ما يقضيه من نقد أو عرض ، فقولان .

القديم : يعطى للآية ، وكالغارم لذات البين . والأظهر : المنع ، كالمكاتب وابن السبيل . فعلى هذا ، لو وجد ما يقضي به بعض الدين ، أعطي البقية فقط ، فلو لم يملك شيئا ، ولكن يقدر على قضائه بالاكتساب ، فوجهان . أحدهما : لا يعطى كالفقير ، وأصحهما : يعطى ، لأنه لا يقدر على قضائه إلا بعد زمن .

والفقير يحصل حاجته في الحال ، ويجري الوجهان في المكاتب إذا لم يملك شيئا ، لكنه كسوب . وأما معنى الحاجة المذكورة ، فعبارة الأكثرين ، تقتضي كونه فقيرا لا يملك شيئا ، وربما صرحوا به .

وفي بعض شروح المفتاح ، أنه لا يعتبر المسكن ، والملبس ، والفراش ، والآنية . وكذا الخادم ، والمركوب إن اقتضاهما حاله ، بل يقضى دينه وإن ملكها .

وقال بعض المتأخرين : لا يعتبر الفقر والمسكنة هنا ، بل لو ملك قدر كفايته ، وكان لو قضى دينه لنقص ماله عن كفايته ، ترك معه ما يكفيه ، وأعطي ما يقضي به الباقي ، وهذا أقرب .

الشرط الثاني : أن يكون دينه لنفقة في طاعة أو مباح ، فإن كان في معصية ، كالخمر ، والإسراف في النفقة ، لم يعط قبل التوبة على الصحيح ، فإن تاب ، ففي إعطائه وجهان . أصحهما في " الشامل " و " التهذيب " : لا يعطى ، وبه قال ابن أبي هريرة .

وأصحهما عند أبي خلف السلمي والروياني : يعطى ، وقطع به في " الإفصاح " وهو قول أبي إسحاق .

قلت : جزم الإمام الرافعي في " المحرر " بالوجه الأول . والله أعلم .

[ ص: 318 ] الأصح : الثاني . وممن صححه غير المذكورين ، المحاملي في " المقنع " وصاحب " التنبيه " ، وقطع به الجرجاني في " التحرير " ولم يتعرض الأصحاب هنا لاستبراء حاله ، ومضي مدة بعد توبته يظهر فيها صلاح الحال ، إلا أن الروياني قال : يعطى على أحد الوجهين إذا غلب على الظن صدقه في توبته ، فيمكن أن يحمل عليه .

الشرط الثالث : أن يكون حالا ، فإن كان مؤجلا ، ففي إعطائه أوجه .

ثالثها : إن كان الأجل تلك السنة ، أعطي ، وإلا ، فلا يعطى من صدقات تلك السنة .

قلت : الأصح : لا يعطى ، وبه قطع في " البيان " . والله أعلم .

الضرب الثاني : ما استدانه لإصلاح ذات البين ، مثل أن يخاف فتنة بين قبيلتين أو شخصين ، فيستدين طلبا للإصلاح وإسكان الثائرة ، فينظر ، إن كان ذلك في دم تنازع فيه قبيلتان ولم يظهر القاتل ، فتحمل الدية ، قضي دينه من سهم الغارمين إن كان فقيرا أو غنيا بعقار قطعا . وكذا إن كان غنيا بنقد على الصحيح .

والغني بالعروض ، كالغني بالعقار على المذهب .

وقيل : كالنقد ، ولو تحمل قيمة مال متلف ، أعطي مع الغنى على الأصح .

الضرب الثالث : ما التزمه بضمان ، فله أربعة أحوال .

أحدها : أن يكون الضامن والمضمون عنه معسرين ، فيعطى الضامن ما يقضي به الدين .

قال المتولي : ويجوز صرفه إلى المضمون عنه ، وهو أولى ، لأن الضامن فرعه ، ولأن الضامن إذا أخذ وقضى الدين بالمأخوذ ، ثم رجع على المضمون عنه ، احتاج الإمام أن يعطيه ثانيا ، وهذا الذي قاله ممنوع ، بل إذا أعطيناه لا يرجع ، إنما يرجع الضامن إذا غرم من عنده .

الحال الثاني : أن يكونا موسرين ، فلا يعطى ، لأنه إذا غرم رجع على الأصيل ، وإن ضمن بغير إذنه ، فوجهان .

[ ص: 319 ] الحال الثالث : إذا كان المضمون عنه موسرا ، والضامن معسرا ، فإن ضمن بإذنه ، لم يعط ، لأنه يرجع ، وإلا أعطي في الأصح .

الحال الرابع : أن يكون المضمون عنه معسرا ، والضامن موسرا ، فيجوز أن يعطى المضمون عنه ، وفي الضامن وجهان . أصحهما : لا يعطى .

فرع

إنما يعطى الغارم عند بقاء الدين ، فأما إذا أداه من ماله ، فلا يعطى ، لأنه لم يبق غارما . وكذا لو بذل ماله ابتداء فيه ، لم يعط فيه ، لأنه ليس غارما .

فرع

قال أبو الفرج السرخسي : ما استدانه لعمارة المسجد وقرى الضيف ، حكمه حكم ما استدانه لمصلحة نفسه .

وحكى الروياني عن بعض الأصحاب : أنه يعطى هذا مع الغنى بالعقار ، ولا يعطى مع الغنى بالنقد .

قال الروياني : هذا هو الاختيار .

فرع

يجوز الدفع إلى الغريم ، بغير إذن صاحب الدين ، ولا يجوز إلى صاحب الدين بغير إذن المديون ، لكن يسقط من الدين بقيمة قدر المصروف كما سبق في المكاتب .

ويجوز الدفع إليه بإذن المديون ، وهو أولى ، إلا إذا لم يكن وافيا وأراد المديون أن يتجر فيه .

[ ص: 320 ] فرع

لو أقام بينة أنه غرم وأخذ الزكاة ، ثم بان كذب الشهود ، ففي سقوط الفرض ، القولان ، فيمن دفعها إلى من ظنه فقيرا ، فبان غنيا ، قاله إمام الحرمين .

ولو دفع إليه ، وشرط أن يقضيه ذلك عن دينه ، لم يجزئه قطعا ، ولا يصح قضاء الدين بها .

قلت : ولو نويا ذلك ولم يشرطاه ، جاز . والله أعلم .

قال في " التهذيب " : ولو قال المديون : ادفع إلي زكاتك حتى أقضيك دينك ، ففعل ، أجزأه عن الزكاة ، ولا يلزم المديون دفعه إليه عن دينه .

ولو قال صاحب الدين : اقض ما عليك ، لأرده عليك من زكاتي ، ففعل ، صح القضاء ، ولا يلزمه رده .

قال القفال : ولو كان له عند الفقير حنطة وديعة ، فقال : كل لنفسك كذا ، ونواه زكاة ، ففي إجزائه عن الزكاة وجهان . ووجه المنع أن المالك لم يكله . فلو كان وكله بشراء ذلك القدر ، فاشتراه فقبضه ، وقال الموكل : خذه لنفسك ، ونواه زكاة ، أجزأه ، لأنه لا يحتاج إلى كيله .

قلت : ذكر صاحب " البيان " : أنه لو مات رجل عليه دين ولا وفاء له ، ففي قضائه من سهم الغارمين وجهان ، ولم يبين الأصح .

والأصح الأشهر : لا يقضى منه ، ولو كان له عليه دين ، فقال : جعلته عن زكاتي ، لا يجزئه على الأصح حتى يقبضه ، ثم يرده إليه إن شاء ، وعلى الثاني : يجزئه كما لو كان وديعة ، حكاه في " البيان " ولو ضمن دية مقتول عن قاتل لا يعرف ، أعطي مع الفقر والغنى [ ص: 321 ] كما سبق . وإن ضمن عن قاتل معروف ، لم يعط مع الغنى ، كذا حكاه في البيان عن الصيمري ، وفي هذا التفصيل نظر . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث