الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الاعتصام بالكتاب والسنة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

171 - وعن عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية ، لكان في أمتي من يصنع ذلك . وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا ملة واحدة " قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : " ما أنا عليه وأصحابي " رواه الترمذي .

التالي السابق


171 - ( وعن عبد الله بن عمرو ) : بالواو رضي الله عنهما ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليأتين على أمتي ) : الإتيان المجيء بسهولة ، وعدي بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى : ما تذر من شيء أتت عليه والمراد بعض أمة الدعوة إما من أهل القبلة بقرينة كونه أضافهم إلى نفسه ، أو مطلقا فيشمل ملل الكفر أيضا ) ( كما أتى على بني إسرائيل ) : فاعل ليأتين مقدر يدل عليه سياق الكلام ، والكاف منصوب عند الجمهور على المصدر ) ، أي : ليأتين على أمتي زمان إتيانا مثل الإتيان على بني إسرائيل ، أو ليأتين على أمتي مخالفة لما أنا عليه مثل المخالفة التي أتت على بني إسرائيل حتى أهلكتهم ، وجوز أن يكون الكاف فاعلا أي ليأتين على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل ( حذو النعل بالنعل ) : حذو النعل استعارة في التساوي ، وقيل : الحذو : القطع ، والتقدير أيضا يقال : حذوت النعل بالنعل إذ قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها لتكونا على السواء ونصبه على المصدر أي يحذونهم حذوا مثل حذو النعل بالنعل ، أي : تلك المماثلة المذكورة في غاية المطابقة والموافقة كمطابقة النعل بالنعل ( حتى إن كان منهم ) : حتى ابتدائية والواقع بعده جملة شرطية ، وقوله الآتي ( لكان ) إما جواب قسم مقدر والمجموع جواب الشرط ، وإما إن بمعنى ( لو ) كما يقع عكسه ، وليست ( إن ) هذه مخففة من المثقلة كما زعم ، كذا نقله السيد جمال الدين عن زين العرب ، وفي الأزهار بكسر الهمزة وسكون النون مخففة أي حتى إنه ، كذا ذكره الأبهري ، وهذا الخلاف مبني على أنه هل يجوز حذف ضمير الشأن من إن المكسورة فمنعه ابن الحاجب وجوزه ابن مالك ( من أتى أمه علانية ) : إتيانها كناية عن الزنا ، ويحتمل أن يكون المراد بها زوجة الأب لو موطوءته وسائر من حرمن عليه برضاع أو مصاهرة ، والأول أظهر لأن الغرابة والاستبعاد فيه أكثر ، ولذا قيده بعلانية ( لكان في أمتي من يصنع ) ، أي : يفعل ( ذلك ) ، أي : الإتيان ( وإن بني إسرائيل ) : يعني النصارى أو أهل الكتاب .

[ ص: 259 ] قال ابن حجر : أبرز ضميرهم زيادة في تقبيح صنيعهم وبيانا لكون ذلك دأبهم وعادتهم اهـ . والأظهر أنه أبرز حتى لا يرجع الضمير إلى غيرهم ( تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ) : سمى عليه الصلاة والسلام طريقة كل واحد منهم ملة اتساعا وهي في الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة أنبيائه ليتوصلوا به إلى القرب من حضرته تعالى ، ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبي ، بل يقال : ملة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو ملتهم ، كذا ثم إنها اتسعت فاستعملت في الملل الباطلة لأنهم لما عظم تفرقهم وتدينت كل فرقة منهم بخلاف ما تتدين به غيرها كانت طريقة كل منهم كالملة الحقيقية في التدين فسميت باسمها مجازا ، وقيل : الملة كل فعل وقول اجتمع عليه جماعة وهو قد يكون حقا وقد يكون باطلا ، والمعنى أنهم يفترقون فرقا تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى ( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ) ، قيل : فيه إشارة لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء في ارتكاب البدع بدرجة ، ثم قيل : يحتمل أمة الدعوة فيندرج سائر الملل الذين ليسوا على قبلتنا في عدد الثلاث والسبعين ، ويحتمل أمة الإجابة فيكون الملل الثلاث والسبعون منحصرة في أهل قبلتنا ، والثاني هو الأظهر ، ونقل الأبهري أن المراد بالأمة أمة الإجابة عند الأكثر ( كلهم في النار ) : لأنهم يتعرضون لما يدخلهم النار فكفارهم مرتكبون ما هو سبب في دخولها المؤبدة عليهم ومبتدعتهم مستحقة لدخولها إلا أن يعفو الله عنهم ( إلا ملة ) : بالنصب أي إلا أهل ملة ( واحدة ) قالوا : من هي ؟ ) ، أي : تلك الملة ، أي أهلها ، الناجية ( يا رسول الله ؟ قال : ( ما أنا عليه وأصحابي ) . ، أي : هي ما أنا عليه وأصحابي ، قيل : جعلها عين ما هو عليه مبالغة في مدحها وبيانا لباهر اتباعها حتى يخيل إنها عين ذلك المتبع ، أو المراد بـ ( ما ) الوصفية على حد ونفس وما سواها ، أي : القادر العظيم الشأن سواها ، فكذا هنا المراد هم المهتدون المتمسكون بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، فلا شك ولا ريب أنهم هم أهل السنة والجماعة ، وقيل : التقدير أهلها من كان على ما أنا عليه وأصحابي من الاعتقاد والقول والفعل ، فإن ذلك يعرف بالإجماع ، فما أجمع عليه علماء الإسلام فهو حق وما عداه باطل . واعلم أن أصول البدع كما نقل في المواقف ثمانية : المعتزلة القائلون بأن العباد خالقو أعمالهم وبنفي الرؤية وبوجوب الثواب والعقاب وهم عشرون فرقة ، والشيعة المفرطون في محبة علي كرم الله وجهه ، وهم اثنان وعشرون فرقة ، والخوارج المفرطة المكفرة له - رضي الله عنه - ومن أذنب كبيرة وهم عشرون فرقة ، والمرجئة القائلة بأنه لا يضر مع الإيمان معصية ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وهي خمس فرق ، والنجارية الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال ، والمعتزلة في نفي الصفات وحدوث الكلام ، وهم ثلاث فرق ، والجبرية القائلة بسلب الاختيار عن العباد فرقة واحدة ، والمشبهة الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية والحلول فرقة أيضا فتلك اثنان وسبعون فرقة كلهم في النار ، والفرقة الناجية هم أهل السنة البيضاء المحمدية والطريقة النقية الأحمدية ، ولها ظاهر سمي بالشريعة شرعة للعامة ، وباطن سمي بالطريقة منهاجا للخاصة وخلاصة خصت باسم الحقيقة معراجا لأخص الخاصة ، فالأول نصيب الأبدان من الخدمة ، والثاني نصيب القلوب من العلم والمعرفة : والثالث نصيب الأرواح من المشاهدة والرؤية .

قال القشيري : والشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول ، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول . فالشريعة قيام بما أمر والحقيقة شهود لما قضي وقدر وأخفي وأظهر ، والشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت بأمره ، والحقيقة شريعة أيضا من حيث إن المعارف به سبحانه وجبت بأمره ، ولله در من قال من أرباب الحال :

ألا فالزموا سنة الأنبياء ألا فاحفظوا سيرة الأصفياء     ومن يبتدع بدعة لم يكرم
بوجدانه رتبة الأتقياء

( رواه الترمذي ) . أي عن ابن عمرو كذا .

[ ص: 260 ]

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث