الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فائدة الغرض من نصب القضاة

[ ص: 43 ] ( فائدة ) الغرض من نصب القضاة إنصاف المظلومين من الظالمين ، وتوفير الحقوق على المستحقين ، والنظر لمن يتعذر نظره لنفسه كالصبيان والمجانين والمبذرين والغائبين ، فلذلك كان سلوك أقرب الطرق في القضاء واجبا على الفور ; لما فيه من إيصال الحقوق إلى المستحقين ودرء المفسدة عن الظالمين والمبطلين ، وقد تقدم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الفور ، وأحد الخصمين ههنا ظالم أو مبطل وتجب إزالة الظلم والباطل على الفور وإن لم يكن آثما بجهله ; لأن الغرض إنما هو دفع المفاسد سواء كان مرتكبا آثما أو غير آثم .

وكذلك يجب القضاء على الغائب لما في تأخيره إلى حضوره من استمرار المفسدة ; لأن الدعوة إن كانت بطلاق تضررت المرأة ببقائها في قيود نكاح مرتفع ، ولم تتمكن من التزوج ولا مما يتمكن منه الخليات ، وإن كانت بعتاق تضررت الأمة والعبد بإجراء أحكام الرق عليهما إلى حضور الغائب ، وإن كانت الدعوى بعين تضرر ربها بالحيلولة بينه وبينها ، وإن كانت بدين تضرر ربه بتأخير قبضه وعدم الارتفاق به ، ولا فرق بين الغائب والحاضر في إقامة الحجج ، فإن الظن المستفاد في إقامة الحجج على الغائب كالظن المستفاد من إقامتها على الحاضر .

فإن قيل : الحاضر يناضل عن نفسه بالمعارضات ، والجرح بخلاف الغائب . قلنا : لا يجوز ترك ما وجب ظهوره بحجة شرعية لاحتمال الأصل وعدمه ، والحاكم يناضل عن الغائب على حسب الإمكان ، ولذلك يحلف المدعي ، ولا يجوز إهمال الحجج الشرعية لمجرد الأوهام والظنون الضعيفة ; لما ذكرناه من تقديم الظن القوي على الظن الضعيف في سائر الأحكام .

فإن قيل : ما المعنى بالظالم والمبطل في هذا الباب ؟ قلنا : أما الظالم فهو ظالم بأنه عاص لله بجحوده وإنكاره ومنع الحق من مستحقه ، فيجب على الحاكم سلوك أقرب الطرق في دفع هذه المفسدة عن المستحق ، ولا سيما [ ص: 44 ] إذا تعلقت الدعاوى بالأبضاع ; ولأن مطل الغني بالحقوق التي يقدر على دفعها ظلم ، ولا تجوز الإعانة على الظلم ، وقد قال عليه السلام : { أنصر أخاك ظالما أو مظلوما } وأراد بنصر الظالم أن يزعه عن الظلم ويكفه عنه كما فسره عليه السلام .

وأما المبطل فهو الذي يجحد ما يجهل وجوبه من الحقوق الواجبة في نفس الأمر فهذا لا إثم عليه ، ولكنه يجب إيصال الحق إلى مستحقه على الفور ، وإن لم يكن المستحق عليه آثما دفعا لمفسدة تأخر الحق عن مستحقه ولا سيما إذا ادعت الزوجة الطلاق والأمة العتاق فأنكرهما ، وكان وكيله قد طلق الزوجة وأعتق الأمة ، وهو لا يشعر .

وكذلك إذا أخرج وكيله شيئا من الأعيان والمنافع عن ملكه فأنكره ظنا أن الوكيل ما تصرف فيه .

وكذلك لو زوجه أبوه امرأة في صغره فادعت عليه حقوق النكاح في كبره فأنكرها بناء على جهله بالنكاح ، فيجب سلوك أقرب الطرق في إيصالها وفي حقوق النكاح فوجوبها على الصحة ، فإن المطل بالحق بعد طلبه مفسدة محرمة على من علمها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث