الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .

استئناف ثالث بإخبار عن شأن من شئون الله تعالى ، متعلق بالغرض المسوق له الكلام : وهو تحقيق إنزاله القرآن والكتابين من قبله ، فهذا الاستئناف مؤكد لمضمون قوله نزل عليك الكتاب بالحق وتمهيد لقوله منه آيات محكمات لأن الآيات نزلت في مجادلة وفد نجران ، وصدرت بإبطال عقيدتهم في إلهية المسيح : بالإشارة إلى أوصاف الإله الحقة . توجه الكلام هنا إلى إزالة شبهتهم في شأن زعمهم اعتراف نصوص القرآن بإلهية المسيح ; إذ وصف فيها بأنه روح الله ; وأنه يحيي الموتى وأنه كلمة الله ، وغير ذلك فنودي عليهم بأن ما تعلقوا به تعلق اشتباه وسوء تأويل .

وفي قوله هو الذي أنزل عليك الكتاب قصر صفة إنزال القرآن على الله تعالى : لتكون الجملة مع كونها تأكيدا وتمهيدا ، إبطالا أيضا لقول المشركين : إنما يعلمه بشر وقولهم أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . وكقوله وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون وذلك أنهم قالوا : هو قول كاهن ، وقول شاعر ، واعتقدوا أن أقوال الكهان وأقوال الشعراء من إملاء الأرئياء ( جمع رئي ) .

ومن بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل " أنزل " ، الذي هو مختص بالله تعالى ولو بدون صيغة القصر ، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلا من الله ، بخلاف ما لو قال : هو الذي آتاك الكتاب .

وضمير " منه " عائد إلى القرآن . و ( منه ) خبر مقدم و آيات محكمات مبتدأ .

والإحكام في الأصل المنع ; قال جرير :


أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا

واستعمل الإحكام في الإتقان والتوثيق ; لأن ذلك يمنع تطرق ما يضاد المقصود ، ولذا سميت الحكمة حكمة ، وهو حقيقة أو مجاز مشهور .

وأطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة ؛ لأن في وضوح الدلالة منعا لتطرق الاحتمالات الموجبة للتردد في المراد .

وأطلق المتشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى ، على طريقة الاستعارة ؛ لأن تطرق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعين أحد الاحتمالات ، وذلك مثل تشابه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض .

وقوله أم الكتاب أم الشيء : أصله وما ينضم إليه كثيره وتتفرع عنه فروعه ، ومنه سميت خريطة الرأس الجامعة له : أم الرأس وهي الدماغ ، وسميت الراية الأم ; لأن الجيش ينضوي إليها ، وسميت المدينة العظيمة أم القرى ، وأصل ذلك أن الأم حقيقة في الوالدة ، وهي أصل للمولود وجامع للأولاد في الحضانة ، فباعتبار هذين المعنيين ، أطلق اسم الأم على ما ذكرنا ، على وجه التشبيه البليغ . ثم شاع ذلك الإطلاق حتى ساوى الحقيقة ، وتقدم ذلك في تسمية الفاتحة أم القرآن .

و " الكتاب " : القرآن لا محالة ; لأنه المتحدث عنه بقوله هو الذي أنزل عليك الكتاب فليس قوله أم الكتاب هنا بمثل قوله وعنده أم الكتاب .

وقوله وأخر متشابهات المتشابهات : المتماثلات ، والتماثل يكون في صفات كثيرة فيبين بما يدل على وجه التماثل ، وقد يترك بيانه إذا كان وجه التماثل ظاهرا ، كما في قوله تعالى إن البقر تشابه علينا ولم يذكر في هذه الآية جهة التشابه .

وقد أشارت الآية : إلى أن آيات القرآن صنفان : محكمات وأضدادها ، التي سميت متشابهات ، ثم بين أن المحكمات هي أم الكتاب ، فعلمنا أن المتشابهات هي أضداد المحكمات ، ثم أعقب ذلك بقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله أي تأويله الذي لا قبل لأمثالهم به ، فعلمنا أن المتشابهات هي التي لم يتضح المقصود من معانيها ، فعلمنا أن صفة المحكمات والمتشابهات راجعة إلى ألفاظ الآيات .

ووصف المحكمات بأنها أم الكتاب فاحتمل أن يكون المراد من الأم الأصل ، أو المرجع ، وهما متقاربان : أي هن أصل القرآن أو مرجعه ، وليس يناسب هذين المعنيين إلا دلالة القرآن ; إذ القرآن أنزل للإرشاد والهدى ، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع ، والآداب والمواعظ ، وكانت أصولا لذلك باتضاح دلالتها ، بحيث تدل على معان لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالا ضعيفا غير معتد به ، وذلك كقوله ليس كمثله شيء لا يسأل عما يفعل يريد الله بكم اليسر والله لا يحب الفساد وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى . وباتضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوع إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع .

والمتشابهات مقابل المحكمات ، فهي التي دلت على معان تشابهت في أن يكون كل منها هو المراد . ومعنى تشابهها : أنها تشابهت في صحة القصد إليها ، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض ، أو يكون معناها صادقا بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مرادا ، فلا يتبين الغرض منها ، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى .

وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال : مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء . فعن ابن عباس : أن المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى ، وتحريم الفواحش ، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم والآيات من سورة الإسراء وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ، وأن المتشابه المجملات التي لم تبين كحروف أوائل السور .

وعن ابن مسعود ، وابن عباس أيضا : أن المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مرادا هنا لعدم مناسبته للوصفين ولا لبقية الآية .

وعن الأصم : المحكم ما اتضح دليله ، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبر ، وذلك كقوله تعالى : والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون فأولها محكم وآخرها متشابه .

وللجمهور مذهبان : أولهما أن المحكم ما اتضحت دلالته ، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه ، ونسب هذا القول لمالك ، في رواية أشهب ، من جامع العتبية ، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات .

وثانيهما أن المحكم الواضح الدلالة ، والمتشابه الخفيها ، وإليه مال الفخر : فالنص والظاهر هما المحكم ، لاتضاح دلالتهما ، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرقه احتمال ضعيف ، والمجمل والمؤول هما المتشابه ، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما - أي المؤول - دالا على معنى مرجوح ، يقابله معنى راجح ، والمجمل دالا على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر ، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية .

قال الشاطبي : فالتشابه : حقيقي ، وإضافي ، فالحقيقي : ما لا سبيل إلى فهم معناه ، وهو المراد من الآية ، والإضافي : ما اشتبه معناه ، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر . فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة وجد فيها ما يبين معناه ، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدا في الشريعة وبالمعنى الإضافي كثير .

وقد دلت هذه الآية على أن من القرآن محكما ومتشابها ، ودلت آيات أخر على أن القرآن كله محكم ، قال تعالى كتاب أحكمت آياته وقال تلك آيات الكتاب الحكيم والمراد أنه أحكم وأتقن في بلاغته ، كما دلت آيات على أن القرآن كله متشابه ، قال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها والمعنى أنه تشابه في الحسن والبلاغة والحقية ، وهو معنى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فلا تعارض بين هذه الآيات : لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها ، بحسب ما تقتضيه المقامات .

وسبب وقوع المتشابهات في القرآن : هو كونه دعوة وموعظة وتعليما وتشريعا باقيا ، ومعجزة ، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتعليم والتشريع ، فجاء على أسلوب مناسب لجمع هذه الأمور ، بحسب حال المخاطبين الذين لم يعتادوا الأساليب التدريسية ، أو الأمالي العلمية ، وإنما كانت هجيراهم الخطابة والمقاولة ، فأسلوب المواعظ والدعوة قريب من أسلوب الخطابة ، وهو لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلفة للعلم ، أو القوانين الموضوعة للتشريع ، فأودعت العلوم المقصودة منه في تضاعيف الموعظة والدعوة ، وكذلك أودع فيه التشريع ، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات ، كالبيع ، متصلا بعضها ببعض ، بل تلفيه موزعا على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدعوة ، ليخف تلقيه على السامعين ، ويعتادوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه فكانت متفرقة يضم بعضها إلى بعض بالتدبر . ثم إن إلقاء تلك الأحكام كان في زمن طويل ، يزيد على عشرين سنة ، ألقي إليهم فيها من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتهم ، وتحملته مقدرتهم ، على أن بعض تشريعه أصول لا تتغير ، وبعضه فروع تختلف باختلاف أحوالهم ، فلذلك تجد بعضها عاما ، أو مطلقا ، أو مجملا ، وبعضها خاصا ، أو مقيدا ، أو مبينا ، فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصيات مثلا ، فلعل بعضا منهم لا يتمسك إلا بعمومه حينئذ ، كالذي يرى الخاص الوارد بعد العام ناسخا ، فيحتاج إلى تعيين التاريخ ، ثم إن العلوم التي تعرض لها القرآن هي من العلوم العليا : وهي علوم فيما بعد الطبيعة ، وعلوم مراتب النفوس ، وعلوم النظام العمراني ، والحكمة ، وعلوم الحقوق .

وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات المرادات في هاته العلوم ، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها ، ما أوجب تشابها في مدلولات الآيات الدالة عليها . وإعجاز القرآن : منه إعجاز نظمي ومنه إعجاز علمي ، وهو فن جليل من الإعجاز بينته في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير . فلما تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها ، فيما تعرض إليه ، جاء به محكيا بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما هو في نفس الأمر ، وربما كان إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولا لأقوام ، فيعدون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه فإذا جاء من بعدهم علموا أن ما عده الذين قبلهم متشابها ما هو إلا محكم .

على أن من مقاصد القرآن أمرين آخرين : أحدهما كونه شريعة دائمة ، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين ، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين ، وثانيهما تعويد حملة هذه الشريعة ، وعلماء هذه الأمة ، بالتنقيب ، والبحث ، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة ، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة - في كل زمان - لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع ، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية ، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة . من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين قائمة مقام تلاحق المؤلفين في تدوين كتب العلوم ، تبعا لاختلاف مراتب العصور .

فإذا علمت هذا علمت أصل السبب في وجود ما يسمى بالمتشابه في القرآن . وبقي أن نذكر لك مراتب التشابه وتفاوت أسبابها . وأنها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب : أولاها : معان قصد إيداعها في القرآن ، وقصد إجمالها : إما لعدم قابلية البشر لفهمها ، ولو في الجملة ، إن قلنا بوجود المجمل ، الذي استأثر الله بعلمه ، على ما سيأتي ، ونحن لا نختاره ، وإما لعدم قابليتهم لكنه فهمها ، فألقيت إليهم على وجه الجملة . أو لعدم قابلية بعضهم في عصر أو جهة ، لفهمها بالكنه . ومن هذا : أحوال القيامة ، وبعض شئون الربوبية ؛ كالإتيان في ظلل من الغمام ، والرؤية ، والكلام ، ونحو ذلك .

وثانيتها : معان قصد إشعار المسلمين بها ، وتعين إجمالها ، مع إمكان حملها على معان معلومة ، لكن بتأويلات : كحروف أوائل السور ، ونحو الرحمن على العرش استوى ثم استوى إلى السماء .

ثالثتها : معان عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها ، فعبر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرب معانيها إلى الأفهام ، وهذا مثل أكثر صفات الله نحو الرحمن ، الرءوف ، المتكبر ، نور السماوات والأرض .

رابعتها : معان قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور ، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قرآنية عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي ، نحو قوله والشمس تجري لمستقر لها وأرسلنا الرياح لواقح يكور الليل على النهار وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب تنبت بالدهن زيتونة لا شرقية ولا غربية وكان عرشه على الماء ثم استوى إلى السماء وهي دخان وذكر سد يأجوج ومأجوج .

خامستها : مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب ، إلا أن ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب الله تعالى لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية ، وتوقف فريق في محملها تنزيها ، نحو فإنك بأعيننا والسماء بنيناها بأيد ويبقى وجه ربك .

وسادستها : ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم : قريش والأنصار ، مثل وفاكهة وأبا ومثل أو يأخذهم على تخوف إن إبراهيم لأواه حليم ولا طعام إلا من غسلين .

سابعتها : مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها ، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه ، صار حقيقة عرفية : كالتيمم ، والزكاة ، وما لم يشتهر بقي فيه إجمال : كالربا قال عمر نزلت آيات الربا في آخر ما أنزل فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبينها وقد تقدم في سورة البقرة .

ثامنتها : أساليب عربية خفيت على أقوام فظنوا الكلام بها متشابها ، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى ليس كمثله شيء ومثل المشاكلة في قوله يخادعون الله وهو خادعهم فيعلم السامع أن إسناد " خادع " إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي اقتضته المشاكلة .

وتاسعتها : آيات جاءت على عادات العرب ، ففهمها المخاطبون ، وجاء من بعدهم فلم يفهموها ، فظنوها من المتشابه ، مثل قوله : فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، في الموطأ قال ابن الزبير ( قلت لعائشة - وكنت يومئذ حدثا لم أتفقه - لا أرى بأسا على أحد ألا يطوف بالصفا والمروة ) فقالت له : ( ليس كما قلت إنما كان الأنصار يهلون لمناة الطاغية ) إلخ .

ومنه علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا الآية . فإن المراد فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها .

عاشرتها : أفهام ضعيفة عدت كثيرا من المتشابه وما هو منه ، وذلك أفهام الباطنية ، وأفهام المشبهة ، كقوله تعالى يوم يكشف عن ساق .

وليس من المتشابه ما صرح فيه بأنا لا نصل إلى علمه كقوله قل الروح من أمر ربي ولا ما صرح فيه بجهل وقته كقوله لا تأتيكم إلا بغتة .

وليس من المتشابه ما دل على معنى يعارض الحمل عليه دليل آخر منفصل عنه ; لأن ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين ، أو ترجيح أحدهما على الآخر ، مثل قوله تعالى خطابا لإبليس : واستفزز من استطعت منهم بصوتك الآية في سورة الإسراء مع ما في الآيات المقتضية فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر والله لا يحب الفساد .

وقد علمتم من هذا أن ملاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة : إما لضيقها عن المعاني ، وإما لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى ، وإما لتناسي بعض اللغة ، فيتبين لك أن الإحكام والتشابه : صفتان للألفاظ ، باعتبار فهم المعاني .

وإنما أخبر عن ضمير آيات محكمات ، وهو ضمير جمع ، باسم مفرد ليس دالا على أجزاء وهو " أم " لأن المراد أن صنف الآيات المحكمات يتنزل من الكتاب منزلة أمه أي أصله ومرجعه الذي يرجع إليه في فهم الكتاب ومقاصده . والمعنى : هن كأم للكتاب . ويعلم منه أن كل آية من المحكمات أم للكتاب في ما تتضمنه من المعنى . وهذا كقول النابغة يذكر بني أسد :


فهم درعي التي استلأمت فيها

أي مجموعهم كالدرع لي ، ويعلم منه أن كل أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من حلق الدرع . ومن هذا المعنى قوله تعالى : واجعلنا للمتقين إماما .

والكلام على أخر تقدم عند قوله تعالى فعدة من أيام أخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث